Wednesday, July 1, 2009

Arabic: The Political Program of the Tayyar

ورقة مقدمة من: تيسر الزبري

عضو اللجنة التحضيرية للتيار

الوطني الديمقراطي التقدمي

حزيران / 2009

الرفيقات والرفاق ضيوف المؤتمر ...

الرفيقات والرفاق المشاركين في المؤتمر ...

تتضمن هذه الورقة عرضاً سريعاً عن المنطلقات البرنامجية للتيار الوطني الديمقراطي التقدمي ، والاتجاهات الرئيسية في الوثائق البرنامجية التي سوف تناقش ويجري اقرارها في المؤتمر التأسيسي الاول الذي تجري الاستعدادات لانعقاده خلال الاسابيع القادمة .

لقد تحددت الملامح الرئيسية للبرنامج في الاعلان السياسي الصادر بتاريخ 19/7/2008 والمنبثق عن الاجتماع الموسع لاعضاء التيار في مدينة رام الله .

أكدت الوثيقة الصادرة عن اجتماع تموز في العام الماضي على أن الصراع الرئيسي الذي يواجه الشعب الفلسطيني بعموم قواه السياسية والاجتماعية هو مع الاحتلال الإسرائيلي ، كما أكدت تلك الوثيقة على أن النضال الفلسطيني يستهدف تحقيق وإنجاز حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبناء الدولة الفلسطينية وانجاز حق عودة اللاجئين للفلسطينيين والالتزام بوثيقة الاستقلال الفلسطيني الصادرة من العام 1988 .

وقد حددت الوثيقة المذكورة الوسائل والادوات في مجابهة الاحتلال الاسرائيلي بإعتماد " مقاومة السياسة العدوانية الصهيونية القائمة على احتلال الارض الفلسطينية والتنكر لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم التي هجروا منها والتمسك بالقرار 194 الصادر بهذا الشأن " وأكدت الوثيقة على " حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكافة الوسائل التي كفلتها المواثيق والقوانين الدولية وعلى تفعيل العمل الكفاحي الجماهيري واشراك الجماهير في اتخاذ القرارات وعلى ضرورة بلورة استراتيجية وطنية مقاومة للإحتلال .

أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني ، فقد أكدت وثيقة الاعلان على :

1- إن آليات عمل التيار تقوم على الالتزام بالخيار الديمقراطي اساساً لتداول السلطة والحرص على الوحدة الوطنية قاعدة للتصدي للإحتلال وللبناء المجتمعي الفلسطيني وعلى اشراك القواعد الشعبية في اتخاذ القرارات وعلى نشر قيم التضامن وانتهاج اسلوب المكاشفة والشفافية وعلى محاربة الفساد والمحسوبية والهيمنة والتفرد تحت أي ذريعة كانت .

2- رفض استخدام العنف في حسم الخلافات الداخلية والتي ابتدأت بحالة عامة من انفلات الأمن انتهت بحسم عسكري وانقسام جغرافي وسياسي بين شمال الوطن وجنوبه ؛ الأمر الذي أسهم في المزيد من تعقيد الوضع الفلسطيني وفتح الباب أمام سياسة عدوانية اسرائيلية أشد ضراوة تمثلت في عدوان كانون أول من العام الماضي والتي انتهت الى نتائج مأساوية مست القطاعات الواسعة من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وعززت من سياسة الانقسام الداخلي . إن الانقسام الداخلي الفلسطيني شكل خروجاً عن المنطلق الرئيسي الذي اعتمده التيار والقائم على أساس أن التحدي الاساس هو مع الاحتلال الاسرائيلي وليس بين التيارات السياسية الفلسطينية مهما تباينت الخلافات في الرؤى السياسية أو آليات العمل .

3- ضرورة احترام خصوصية الوضع الديمقراطي الفلسطيني والتي لا تقوم على أغلبية حاكمة وأقلية معارضة غير مشاركة بالقرار الوطني ؛ ذلك أن التحدي الوطني مع الاحتلال يملي بضرورة احترام التعددية السياسية وعلى اشراكها في القرار والحكم وفق سياسة جبهوية وتوافقية الى حدود واسعة .

4- النقطة السابقة تطلب تظهير الخطر من سياسة المحاصصة ( إضافة الى سياسة الهيمنة والتفرد ) وهي أي المحاصصة تختلف في الشكل وتلتقي مع جوهر سياسة التفرد وعزل الآخرين وهي الوجه الآخر للحكم الشمولي غير الديمقراطي ؛ الأمر الذي يتناقض مع منطلقات التيار في المفهوم الديمقراطي والتعددي .

5- الانحيازات الواسعة التي ابداها الشعب الفلسطيني في انتخابات المجلس التشريعي الثاني ( 2006 ) للتيارين الوطني الفتحاوي ، والاسلامي الحمساوي تتطلب توحيد القوى اليسارية والديمقراطية التقدمية في إطار سياسي موحد جبهوي أو إئتلافي وعلى برنامج وطني اصلاحي متميز .

- إن تردي الوضع السياسي الداخلي الفلسطيني لا يعفي قوى اليسار الفلسطيني من المسؤولية الوطنية ، ذلك إن استمرار حالة التبعثر والانحيازات غير المبدأئية على كافة المستويات السياسية والجماهيرية إنما يشكل خدمة لهيمنة التيارين أو أحدهما مما يهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته ويتناقض بالنتيجة مع ضرورات التوحد الوطني في مجابهة الاحتلال .

6- إن الالتزام في بناء جبهة يسار فلسطيني موحدة لا يغفل بالمطلق ضرورة الالتزام الجبهوي الوطني الواسع ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية بإعتبارها التعبير السياسي والمادي الموحد والجامع للنضال الفلسطيني من أجل العودة وتقرير المصير والاستقلال .

إن التمسك بالعمل في إطار م.ت.ف والعمل على إعادة الاعتبار لها بعد سنوات من الاهمال يتطلب الحرص على تجديد بناءها وتفعليها وتطويرها واشاعة الأجواء الديمقراطية في هياكلها من المجلس الوطني الى المركزي الى اللجنة التنفيذية وكافة مؤسساتها ودوائرها ولجانها والمدخل لذلك هو بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بالانتخاب المباشر ووفق قانون انتخابي ديمقراطي يقوم على التمثيل النسبي الكامل في كافة تواجد الفلسطينيين وحيثما كان ممكنا اجراءالانتخابات المنشودة .

7- لقد شكلت وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشر في الجزائر عام 1988 علامة سياسية وبرنامجية بارزة في العمل السياسي الفلسطيني حيث أكد الاعلان في أحد نصوصه على " أن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا ؛ فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية ، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق ، تصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الانسانية ، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الاحزاب ورعاية الأغلبية لحقوق الأقلية واحترام الاقلية قرارات الأغلبية ، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون وبين المرأة والرجل ، في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الاديان عبر القرون " .

8- التأكيد على أن آليات التغيير السياسي تقوم بالوسائل الديمقراطية ونبذ العنف في حل الصراعات الداخلية ، وعلى التمسك الدائم بالوحدة الوطنية الشاملة وبالتعددية بكل موكناتها الاجتماعية والسياسية وبما يتيح للقوى الاجتماعية اليسارية التقدمية من الحفاظ على أطرها المستقلة في إطار الجامع الوطني الاوسع ( م.ت.ف) ، وعلىالتمسك ببرنامج الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وفق القرارات الدولية ، وعلى التعامل مع هذا البرنامج بإعتباره وسيلة تكتيكية يمكن استبدالها بحلول عبثية من شأنها أن تعيد البرنامج الوطني الفلسطيني الى نقطة الصفر .

البرنامج في إطاره الاجتماعي :

لقد أعلن المؤسسون للتيار الوطني الديمقراطي التقدمي في بيانهم السياسي بتاريخ 19/7/2008 "بأن التيار ينحاز لقضايا العمال والفلاحين والفقراء والمقهورين وابناء الطبقات الوسطى من شعبنا " .

** ومن ذات المنطلق الفكري التقدمي فإن التيار يؤكد على دعم العمال الفلسطينيين وتشجيعهم على توحيد الحركة النقابية العمالية ، وضمان عقد مؤتمراتهم وإشاعة الحياة الديمقراطية بين صفوفهم .

** دعم نضال المرأة الفلسطينية من أجل حقها في العمل المتساوي والاجر المتساوي وحقها الكامل في التعليم والمشاركة السياسية ومحاربة كل اشكال التمييز ضدها .

** دعم قطاعات الشباب الفلسطيني والاتحادات الطلابية ومجالس طلبة الجامعات من أجل حقهم في التعليم شبه المجاني وتحديداً في المراحل المتوسطة والعليا ما بعد المرحلة الثانوية ؛ والعمل على تطوير أساليب التربية المدرسية ونظم الامتحانات .

** دعم قطاعات المهنيين الفلسطينيين من أطباء ومهندسين ومحامين ومعلمين وموظفين عموميين .. وغيرهم ، ودعم حقوقهم في بناء اتحادات نقابية مستقلة في أطر ديمقراطية ومن الدفاع عن حقوقهم في العمل والضمان الاجتماعي وتنمية دورهم السياسي والوطني العام .

** دعم قطاعات العمل الأهلي التطوعي ، وتطوير دور المنظمات الأهلية باتجاهات تنموية تستهدف القوى الاجتماعية المهمشة ، وحماية اشاعة الاساليب الديمقراطية في علاقاتها الداخلية وبناء نظم تقوم على الشفافية والنزاهة في هياكلها الادارية وعملها الداخلي .

** العمل من أجل سن قوانين ضمان اجتماعي وصحي شاملة للعمال والقطاع الخاص والاهلي وتطوير قوانين تقاعد موظفي الخدمة العامة . إن المدخل لانجاز استقرار مالي للعمال والعاطلين عن العمل يستند على قانون ضمان اجتماعي عادل وشامل ، وهو أحد ركائز الاستقرار السياسي والاجتماعي والنفسي للمواطن الفلسطيني .

** العمل من أجل بيئة صحية سليمة للمواطن بالعمل على توفير السكن المناسب والمياه الصالحة للشرب وعلى توفير بيئة مدرسية سليمة لطلبة المدارس وتحديداً في المدارس الحكومية وتطوير الخدمات الصحية في القطاع الرسمي .

** دعم قطاعات الانتاج الزراعي والصناعي والسياحي الفلسطيني من حيث توفير القروض المناسبة وإيجاد المؤسسات الائتمانية المناسبة لتلبية حاجات هذه القطاعات ، وتوفير الفرص الاستثمارية وسن التشريعات والقواني المساندة لدعم الانتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وبشكل خاص في الزراعة والصناعات الخفيفة ، والعمل على فتح الاسواق أمام الصادرات الفلسطينية والعمل على استصلاح الاراضي البور وتمليك المواطنين للأراضي الاميرية منعاً لاستهدافها من قبل الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنية .

في إطار العلاقات العربية والدولية

في الاعلان التأسيسي للتيار ( تموز 2008 ) جرى التأكيد على أن التيار الديمقراطي التقدمي الفلسطيني هو جزء من حركة التحرر العربي ومن الحركة العالمية المناهضة للإمبريالية والصهيونية والعنصرية " " إن التيار يناضل من أجل صياغة نظام عالمي جديد يقوم على احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى إقامة علاقات دولية متوازنة تضمن التنمية البشرية العادلة والمستدامة وترسي سياسات تقوم على التعاون المشترك بين الشعوب بما يخدم مصالحها الجماعية وتقوم على مفاهيم العدل واحترام حقوق الانسان .

إن انعقاد المؤتمر الدولي الاول مكرساً هذه الورشة من أجل الاستفادة من تجارب توحيد قوى اليسار على الصعيد العالمي يشكل مناسبة لتأكيد هذه الدعوة وتحويلها الى آليات عمل منتظمة وفاعلة في ظل موازين قوى اجتماعية ودولية ترجح نحو القوى الإجتماعية الجذرية في العالم ومنها الوطن العربي .

تجربة جبهة اليسار في قطاع غزة

ورقة مقدمه من: طلال عوكل

حزيران / 2009

وقت طويل مضى على حركة الجدل في المجتمع وبين أطراف اليسار والنخب، وتعددت المحاولات والتجارب، لتوحيد اليسار كضرورة تاريخية، وليس فقط استجابة لازمة وطنية تنشأ اليوم أو غدا.

وعلى الرغم من أن أزمة اليسار مدركة ومؤشراتها ملموسة وواضحة، إلا أن اليسار الفلسطيني لم يتقدم خطوة واحدة، نحو تحقيق هدف وحدته، بل وفي كل مرة، تنتهي فيها تجربة تجميعية أو وحدوية إلى الفشل، كانت تعقبها مراحل توتر، وانتقادات متبادلة، وتعميق للتعصب التنظيمي والسياسي.

وفي كل مرة، كانت تطرح مبادرات للتوحيد أو التنسيق، كانت الأطراف تناقش العناوين ذاتها، والقضايا ذاتها. إن كان بشكل جزئي أو شامل كما حصل في التجربة قبل الأخيرة وهي الراهنة، التي سبقت اغتيال أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى، الذي كان أبدى متابعة شخصية جادة لتحقيق إنجاز على مستوى توحيد اليسار.

أعتقد أن من المناسب جدا، أن تتشكل لجنة يتم اختيارها من عناصر يسارية تقوم بمراجعة تلك التجارب، لتعيين أسباب الفشل، وكيفية الاستفادة من تلك التجارب، بما أنها تشكل جزءا من تراث الحوار بين أطراف اليسار، من غير المفيد إقصاؤه، أو تجاهله، رغم أن تلك التجارب ارتبطت بظروف سياسية معينة وفي ظل معطيات معينة، أين منها المعطيات التي يتشكل منها الواقع الفلسطيني الراهن.

قد لا يتيح هذا المؤتمر الهام بما يتضمنه من أوراق، وآراء متنوعة وواسعة، قد لا يتيح المجال لهذه الورقة أن تتناول كافة العناوين التي تتصل بموضوع اليسار كرؤية من حيث النشأة، أسباب التراجع ومؤشراته، عوامل التعطيل وعوامل التفعيل، مؤشرات أزمة اليسار، وآفاق معالجتها، ولذلك سأكتفي بتناول بعض الجوانب الأكثر قربا من تجربة " جبهة اليسار " في قطاع غزة، والتي مر على تأسيسها ما يقرب من العام.

في الواقع، علينا أن نلاحظ، مستوى ثقل الأزمة الوطنية على سكان قطاع غزة، وعلى القوى السياسة بما في ذلك وأساسا قوى اليسار، فصائل، وشخصيات، وجمعيات ومنظمات مجتمع مدني، ذلك أن قطاع غزة كان مسرحا عمليا لحالة صراع واشتباك بكل الوسائل، بين الحركتين الكبيرتين المتصارعتين، والذي أدى إلى انقلاب وانقسام عميق، رافقه حصار شديد، وجملة من التداعيات السياسية والاجتماعية الخطيرة.

خلال مرحلة الفوضى والصراع، وأيضا في ظل مرحلة الانقسام، ونشوء "نظام سياسي" آخر في قطاع غزة، تصيغه وتهيمن عليه حركة حماس، وفي ضوء المعانيات شديدة الوطأة على مواطني قطاع غزة، كانت التساؤلات الموجهة لليسار موجعة ومحرجة إلى حد كبير.

إلى متى يبقى الفلسطينيون أسرى لظاهرة الاستقطاب والاحتكار السياسي والحزبي، وهل ثمة من يتقدم لأحداث قدر من التوازن بين القوتين الكبيرتين؟ من سيدافع عن مصالح وهموم الفئات السياسية والاجتماعية المطحونة، والتي تشكل وقودا لحالة الصراع والانقسام والاستقطاب، وهل فصائل اليسار قادرة في الأصل على الدفاع عن نفسها، وهي تدرك أنها تدفع جزءا من فاتورة الانقسام وسيادة العنف الداخلي، وتدرك أيضا إن استمرار حالة الانقسام، ستجعلها في وقت ما هدفا لمنطق الاحتكار والهيمنة، والتكفير، وعدم الاعتراف بالآخر.؟

أين مسئولية أطراف اليسار عن حماية المشروع الوطني الفلسطيني، وعن وحدة الشعب والقضية، وهل هذا اليسار سيكون قادرا على تبرير وجوده واستمراره بمعزل عن الشرعية التاريخية؟

لقد أظهر اليسار بكليته منفردا ومجتمعا، ضعفا وعجزا عن التأثير في الأحداث بما في ذلك ما يتصل بقضايا الحريات، والديمقراطية، والسلم الأهلي، وحقوق الإنسان، وحماية الحق في التظاهر، والتعبير عن الرأي، وحرية الاختيار وحقوق المرأة والشباب، ومعانيات الفقراء وجيوش العاطلين عن العمل، ناهيكم عن ضحايا الدمار الكبير الذي سببه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي واستمر نحو ثلاثة أسابيع.

بعد مرور عامين على الانقسام، يتأكد اليسار الفلسطيني من أن هذا الواقع ليس طارئا، أو أن أطرافه أو بعضها لا تعمل من أجل تجاوز هذا الوضع، ولا تتعامل معه على اعتبار أنه مؤقتا، وبأن الحوار لا يشكل سوى غطاء لمواصلة تعميق الانقسام والانفصال، وأنه أيضا وسيلة لكسب الوقت من أجل إضفاء أبعاد أكثر عمقا على مختلف المجالات الاجتماعية، الثقافية، القيمية، الاقتصادية، والحقوقية والسياسية، على الوضع القائم، بما يجعلنا أمام نظامين سياسيين، وأمام تجربتين ومشروعين مختلفين.

إن توقيت الحوار بين أطراف اليسار الثلاث، الجبهة الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب، يوضح الدوافع الكامنة وراء تشكيل جبهة اليسار وبما يشير إلى تغليب العامل ألظرفي على التاريخي أكثر مما يشير إلى ارتقاء مستوى الوعي وامتلاك الإرادة الكافية لتجاوز أزمة اليسار، كاستجابة تاريخية لتطور الوضع الفلسطيني.

أفكار متعددة طرحت أمام قيادات الفصائل الثلاث، من التنسيق إلى الوحدة الاندماجية، وما بينهما من صيغ، انتهت إلى صيغة تشكيل جبهة بين القوى الثلاث تقتصر على التنسيق في المواقف، ذلك أنها لم تستند إلى برنامج وآليات محددة، رغم أن الأطراف تعتبرها خطوة على طريق وحدة تتم بالتدريج.

وفي الواقع فقد لاحظنا تباينا واضحا في تحديد هوية اليسار وبالتالي تباين بشأن من هو اليسار، فالبعض يحدد اليسار على أساس الهوية الإيديولوجية، والبعض الآخر يحددها على أساس نسبي.

فاليسار بالنسبة لأصحاب الهوية الإيديولوجية هو القوى التي تتبنى بشكل واضح الماركسية أو المنهج الجدلي، فتكون فقط ، الجبهتين والحزب، أما بالنسبة لأصحاب الموقف الآخر، فإن اليسار هو تيار فكري سياسي يتميز بتبنيه قضايا العدالة الاجتماعية، والتعددية والعلمانية بمفهومها الأصيل، ومناهضة كل أشكال التمييز، ويناضل من أجل التنوير والحداثة، وتعظيم حقوق الإنسان، وبناء لذلك يتكون اليسار من طيف واسع بشمل بالإضافة إلى القوى الثلاث جبهة النضال، وحزب فدا، وربما المبادرة الوطنية بالإضافة إلى شخصيات يسارية مستقلة.

وبغض النظر عن التبريرات التي تجمع بين المفهومين عبر آلية التدرج أو حاجة التيار لقطب أو عمود فقري يتشكل من القوى الثلاث أساسا وابتداء، إلا أن الواقع يشير إلى عمق هذا التباين.

ففي غزة، تشكلت " جبهة اليسار "، أما في الضفة، فالحديث يدور وهناك مشاريع تعمل على أساس المفهوم النسبي وليس الإيديولوجي الحصري، أما خارج الوطن، فبالرغم من الميل الواضح للعمل وفق إطار جبهة اليسار، إلا أن أية صيغة لم تنشأ حتى الآن بالرغم من أن الاستقطاب السياسي الواقع داخل الوطن قد امتد إلى خارجه، وأيضا بالرغم من أن تشكيل جبهة اليسار جاء بقرارات قيادية نجمت عن الحوار.

هنا يمكن تسجيل الملاحظات التالية على تجربة جبهة اليسار:

- أولا: على الرغم من مرور أكثر من عام على تشكيل الجبهة إلا أنها تفتقد إلى الحد الأدنى من خصائص الجبهة كإطار إذ لا برنامج لها ولا خطة، ولا اجتماعات منتظمة، ولا لائحة داخلية أو آليات للعمل متفق عليها. إذا هي بهذا المعنى لا تزيد عن كونها إطارا للتنسيق بغرض تبادل الرأي، وإصدار بعض البيانات حين يتوفر التوافق حول قضية معينة، وللقيام ببعض النشاطات الموسمية، التي يفتقر أداؤها إلى الإخلاص للعمل الجماعي، أو لصالح تكريس حضور الجبهة في ميدان العمل السياسي والجماهيري على حساب أطرافها منفردة.

- ثانيا: تعاني الجبهة من مرض مزمن يتصل بالتعصب التنظيمي، فالأولوية لصالح التنظيم، وعلى هذا الأساس، تخاض المعارك النقابية، والتحالفات ويصبح معيار فوز هذا الطرف أو ذاك قياسا بما يحققه على طرف آخر من أطراف الجبهة وليس بما تحققه الجبهة كإطار عمل جماعي، أو بما تحققه الأطراف الأخرى.

لقد ظهرت خلال الانتخابات التي وقعت أو التي كان مقدرا أن تقع ظهرت أمراض الماضي بكل تفاصيلها، وكذلك ظهرت تداعياتها على الكوادر والقواعد الحزبية بما يشير إلى تمكن العصبوية التنظيمية، وتغليب الانتماء للحزب على الانتماء للجبهة.

- ثالثا: لم تتشكل الجبهة من تسعة أعضاء، بواقع ثلاثة من كل فصيل، وهي حتى الآن لم تبادر لتشكيل لجان مشتركة تنبثق عنها، ولم تتقدم خطوة واحدة باتجاه توحيد أطرها الجماهيرية باستثناء محاولات جارية على مستوى بعض النقابات العمالية.

يعود بنا هذا التشكيل إلى قضية قديمة تتصل بعدم اعتراف أطراف جبهة اليسار بتميز أي طرف منها عن الأطراف الأخرى بما يجعله أقرب إلى العمود الفقري للجبهة. غياب هذا الاعتراف، جعل الأطراف الثلاثة المكونة للجبهة تتفق كاملة على أنها مجتمعة تشكل أساس وحدة اليسار ورافعته.

غياب أو تغيب القوة الرئيسية الجاذبة المعترف بها ولها بأحقية القيادة يجعل أي إطار قديما كان أم جديدا محكوم للعوامل ذاتها التي تمنع جبهة اليسار من التطور، وكانت واحدا من أسباب فشل التجارب السابقة.

- رابعا: لم تتقدم جبهة اليسار بالنقاش لمحاولة تقريب وجهات النظر والمواقف إزاء بعض أهم قضايا الخلاف ذات الطابع السياسي. ثمة خلاف حول الأهداف البعيدة والقريبة فمثلا تصر الجبهة الشعبية على أن برنامج الدولة وتقرير المصير والعودة، يمثل البرنامج المرحلي، وبأنها تتمسك باستراتيجيه تحرير كل أرض فلسطين التاريخية.

نقطة خلاف أخرى تتصل بأشكال النضال، إذ يعلو شكل الكفاح المسلح لدى الشعبية، ونسبيا لدى الديمقراطية بينما لحزب الشعب تاريخيا موقفا مختلفا إزاء هذه القضية.

خلاف آخر يتصل بالموقف من اتفاقية ومنهج أوسلو، وتجسيداته وأهمها العلاقة بالسلطة الفلسطينية، فالشعبية ترفض المشاركة في أية حكومة تنشأ على أساس أوسلو، بينما الأطراف الأخرى، لا تمانع في المشاركة، الأمر الذي يترك آثارا سلبية على العلاقة بين أطراف الجبهة.

- خامسا: ضعف الإمكانيات المادية، والمالية منها على وجه الخصوص، يجعل هذه الأطراف مجتمعة ومنفردة، أعجز من أن تنهض ببعض متطلبات العمل والنشاط، أو الاستجابة لبعض المتطلبات الاجتماعية، وتداعيات حالة الصراع مع الاحتلال أو في الداخل الفلسطيني.

في الواقع فإن الصيغة الموجودة، بما هي عليه، وكما عرضناها تعكس أزمة كل طرف من أطراف اليسار، وإن هي لا مجرد تجميع عشوائي لمجموع ، وقوى مأزومة و ضعيفة، لم تتمكن حتى الآن، وبالرغم من عمق حالة الاستقطاب ومخاطرها، لم تتمكن من أن استثمار هذا الظرف الذي يهيئ لها كل أسباب تطوير وتوسيع جماهيريتها، وزيادة فعاليتها وتأثيرها.

- سادسا: على الرغم من وضوح الرؤيا لدى أطراف الجبهة إزاء الأولويات التي تتصل بالوضع الداخلي، إلا أنها عجزت عن القيام بنشاطات واسعة تعبيرا عن الرفض الشعبي للانقسام، وتداعياته، وهي لم تخض معركة واحدة ناجحة دفاعا عن حقوق الناس، أو للتقليل من مخاطر التدهور الحاصل على مستوى الصراع الداخلي. وباستثناء مظاهره كبيرة، كان يمكن أن تكون أكثر تحشيدا، بمناسبة الأول من أيار هذا العام، فإن الجبهة لم تنجح في تنظيم حملات شعبية تحتاجها وتتطلبها ظروف وتداعيات الصراع الخارجي مع الاحتلال والداخلي.

- سابعا: لم تترك الجبهة أية بصمات ذات قيمة وملموسية لا على صعيد الجبهة الداخلية ولا على الصعيد الخارجي، إذ أنها لم تبذل حتى أي جهد من أجل إعادة وصل علاقاتها وتحالفاتها مع قوى اليسار على الصعيد العربي.

هكذا نلاحظ بأن جبهة اليسار التي تشكلت في قطاع غزة وما تزال موجودة، لا تشكل الحد الأدنى المطلوب مما يجعل الحديث عن التدرجية لتحقيق هدف الوحدة مجرد هراء لا يتجاوز حدود الهروب من أسئلة الواقع، ولتبرير القصور الناجم عن عجز العوامل الذاتية التي لم يحدث عليها أي تغيير يساعد في اقتحام بوابات الأزمة والحل.

إن هذه التجربة لا تصلح حتى للقراءة والتحليل، ذلك أن قيامها لم يضف جديدا يذكر، إلا للاستنتاج بأنها تعبير عن اتساع الهوة بين الواقع والأهداف.

لمعالجة أزمة اليسار وتحقيق وحدته، نحتاج إلى جرأة عالية في تناول الأسباب الذاتية، ونحتاج إلى قرارات موجعة تذهب إلى التغيير وليس إلى تبرير الواقع أو ترقيعه فليس هناك ورثة أو قيميين حصريين على الإيديولوجية والفكر، تماما كما ليس هناك ورثة حصريين للوعي والقيادة.

الخلاصة:

صحيح أن أزمة اليسار تعود إلى أسباب موضوعية وذاتية، غير أن العامل الذاتي هو المقرر والحاسم في الخروج من هذه الأزمة نحو توحيد اليسار والنهوض بأوضاعه. يتطلب ذلك حوارا معمقا يتسع ليشمل قوى أخرى أوسع من الفصائل الثلاث، لتحديد هوية اليسار، ويعالج الخلافات والتباينات السياسية بين أطرافه، ويضع برنامجا زمنيا، بآليات واضحة ومحددة، تذهب باتجاه توحيد قوى اليسار، واختيار قيادات شابه، لا تحمل أعباء التجارب السابقة، إن اليسار معنى بتحديد شرعيته بما يتجاوز الشرعية التاريخية إلى الشرعية الواقعية، الشعبية والسياسية، التي تؤهله للعب دور فاعل ومقرر في اتجاهات تطور الوضع الفلسطيني ومصير خياراته وأهدافه ومشروعه الوطني التحرري والديمقراطي.

ينبغي أن تكون المرحلة الطويلة السابقة، قد ولدت لدى قيادات الفصائل اليسارية قناعات راسخة على أن مستقبل اليسار مرهون بوحدته، وأنه يتحمل مسئولية تاريخية إزاء ما يواجه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من أزمات ومخاطر وتحديات خصوصا بعد الفشل الذريع الذي يصيب برامج الفصائل الكبيرة التي تتحكم حتى الآن في مصير الشعب والقضية ومن غير المتوقع أن يتغير هذا الحال إلا بتغيير كبير وجذري في واقع اليسار الفلسطيني.

إن تجربة جبهة اليسار في قطاع غزة لا تقوى حتى على رفع العتب عن عجز أطرافها، وهي ليست أكثر من إضافة كمية لتجارب سابقة أكثر منها جدية رغم فشلها.

توصيات :

- أولا: لابد من معاودة البحث على مستوى الفصائل الثلاث باتجاه تحديد هوية اليسار باتجاه الفهم المرن والواسع، بما يسمح بتطوير جبهة تشمل الفصائل الأخرى والشخصيات اليسارية المستعدة للانخراط في هذه الجبهة.

- ثانيا: يبادر أي فصيل متوفر لديه القناعة بالوحدة الاندماجية بتقديم أوراق تتضمن اقتراحات محددة في هذا الشأن تعرض على من يشارك هذه القناعة من الفصائل الأخرى، الأمر الذي سيشكل في حالة نجاحه محور الرحى لجبهة اليسار التي تصبح في هذه الحالة أقرب إلى تيار منظم أو حركة واسعة تسمح للأقلية بالتعبير عن رأيها، ولكنها تلتزم بالعمل وفق رأي الأغلبية.

- ثالثا: بعد الاتفاق على الاتجاه العام للأطر المطلوبة (وحدية وجبهوية)، يتم توحيد الأطر الجماهيرية قطاعيا ( عمال، مرآة، محامون، أطباء، طلاب، شبيبة...إلخ)، وتقوم هذه بوضع خطط وبرامج العمل اللازمة لتعزيز وتوسيع العمل الجماعي والمشترك.

- رابعا: يتم العمل والتحضير لخوض الانتخابات النقابية، والانتخابات المحلية، والعامة التشريعية والرئاسية، بقوائم مشتركة تحت أسم الإطار الذي يتم الاتفاق عليه وهذا يتطلب صيغة إبداعية للانتخابات الداخلية من أجل اختيار المرشحين بما نعنيه الكفاءة وفرص الفوز وبدون تجاهل فوارق الحجوم بين الكتل المشاركة في الإطار الجبهوي.

- خامسا: يستدعي ذلك تشكيل لجنة متابعة عن هذا المؤتمر لخوض الحوار مع الفصائل والشخصيات المعنية، تنتهي صلاحياتها بانتهاء مهمتها في تشكيل الإطار.

- سادسا: ربما يكون مناسبا اختيار وتشكيل لجنة حكماء، للتدخل والمساعدة وتقليص التعارضات، والمشكلات التي تنشأ خلال مسيرة الإطار الجبهوي.

اليسار الفلسطيني الى أين؟

ورقة مقدمه من: فوز خليفة

حزيران / 2009

كشفت نتائج انتخابات المجلس التشريعي للعام 2006 وانتخابات هيئات الحكم المحلي الفلسطيني للعام 2005 مدى ما وصلت اليه أزمة قوى وأحزاب اليسار الفلسطيني.

على الرغم من اتضاح مدى عجز حركة فتح عن توفير متطلبات مواجهة المشروع الاسرائيلي وعجزها عن بناء نظام ديمقراطي عصري وتوق الجمهور الفلسطيني لاجراء التغيير واصلاح النظام السائد، فإن القوى اليسارية لم تستطع أن تقدم البديل المقنع لهذا الجمهور خلال الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية.

بالمقابل تقدم "الاسلام السياسي" بقيادة حركة حماس ليملأ الفراغ تحت شعارات الاصلاح والتغيير الذي سرعان ما انكشف زيف ادعاءاتها وجاءت ممارستها في الحكم حاملة معها رياح الفساد الاداري والمالي. ليس هذا فحسب بل كشفت عدم الإلتزام بالحلول الديمقراطية، مما يطرح بإلحاح الحاجة الموضوعية والضرورة لتقدم قوى التيار الديمقراطي البديل، وهذا ما يوجب العمل الجاد لبناء الاطار الموحد للتيار اليساري والديمقراطي والتقدمي، فهل تستجيب قوى وشخصيات هذا التيار لنداء الجمهور بضرورة النهوض بهذه المهمة؟

إن تخلف قوى وأحزاب وشخصيات هذا التيار عن القيام بهذا الواجب الوطني يهدد القضية الفلسطينية بالضياع خاصة في ظل حكومة اسرائيل اليمنية التي تجاهر ليل نهار بإدارة الظهر للحقوق الوطنية الفلسطينية، وتعمل جاهدة لتكريس رؤيتها لحل الصراع.

إن المسؤولية الوطنية تفرض وقوف كل قوى اليسار والديمقراطية، وكذلك الشخصيات الديمقراطية امام هذه المسؤولية للعمل الجاد لتوفير شروط نجاح بناء اطار موحد لهذا التيار يحمل معه شروط النجاح متجاوزة أسباب الازمة وأسباب فشل كل المحاولات السابقة التي شهدتها الساحة الفلسطينية على مدار السنوات الماضية.

لقد أظهرت التجربة الماضية والتي شهدت محاولات تنسيق جهود قوى اليسار في صيغ مختلفة بدءاً من تجربة القيادة المشتركة بين الجبهتان الشعبية والديمقراطية وكذلك تجربة التحالف الديمقراطي بين الحبهتين الشعبية والديمقراطية في ثمانينيات القرن الماضي، ومحاولات بناء اداة موحدة تجمع في صفوفها قوى وأحزاب وشخصيات ديمقراطية في تجمع ديمقراطي فلسطيني موحد أهمية البناء على أسس ديمقراطية، وأهمية تحديد الاهداف وآلية تحقيقها. لقد اشاع إقدام قيادة الجبهتين الشعبية والديمقراطية على تجربة القيادة المشتركة أجواء ومناخات ايجابية في أوساط التيار الديمقراطي وقواعد التنظيمين وكوادرها، واتخذت العديد من القرارات لتنسيق الجهود في الساحات والاقطار المختلفة ولكن هذه الجهود قد اصدمت باستمرار الخلافات السياسية والتي كان لها الاثر الحاسم في تراجع التجربة.

إن غياب الآليات الديمقراطية عن الصيغ التنظيمية المعتمدة وإبقاء القرار بيد الهيئات القيادية لم يمكن كوادر واعضاء التنظيمين من لعب دورهم الايجابي في معالجة العوامل السلبية التي تحول دون تطوير التجربة، مما جعل مصيرها يتوقف على العوامل المؤثرة في صنع القرار لدى الهيئات القيادية للتنظيمين. يعود قسم من العوامل الى عوامل النشأة وظروفها وعوامل شخصية مرتبطة بها، ورح التنافس التي جرى تغذيتها لتبرير الوجود لدى كل منهما.

إن غياب دور جمهور الاعضاء له علاقة بغياب الآليات الديمقراطية الحقة التي غابت عن الحياة الداخلية للجبهتين، واعتماد آليات المركزية الديمقراطية بالمفهوم التقليدي، والتي تحل الهيئات القيادية محل رأي جمهور الكادر والاعضاء؛ فالمكتب السياسي يحل محل اللجنة المركزية قرارها نهائي... الخ، ناهيكم عن دور الفرد في صنع القرار.

إن اعتماد الصيغ التنظيمية التي لم تتجاوز صيغ التنسيق كان له أثره السلبي على توفير قوة ضغط تلجم الاتجاهات السليبة القيادية التي ليس لها مصلحة في تطوير التجربة نحو بناء تنظيم موحد؛ فالجهة التي اتخذت قرار العمل المشترك ابقت في يدها قرار فك وحل الهيئات المشتركة إثر تطور الخلاف السياسي بين التنظيمين وغاب دور كوادر وقواعد التنظيمية عن أخذ دورها في القرار.

إن أهم الدروس المستخلصة من تلك التجربة تتمثل بما يلي:

1. اهمية الاتفاق على البرنامج السياسي والاجتماعي الديمقراطي وهوية الاطار الجديد.

2. أهمية بل ضرورة اعتماد الآليات الديمقراطية في الصيغ التتنظيمية المعتمدة تعطي الاعضاء دورهم في مسيرة التجربة.

3. أهمية الاستقلال المالي.

4. إعتماد مبدأ التمثيل النسبي في تشكيل الهيئات الموحدة للمنظمات الديمقراطية.

5. خوض كافة المعارك الانتخابية النقابية والجماهيرية والبلدية و التشريعية وغيرها ببرنامج موحده وقائمة واحدة.

6. أهمية دور الشخصيات الديمقراطية والتقدمية والمشاركة الفاعلة في تجربة توحيد قوى اليسار.

7. أهمية الشباب والمرأة وإعطاؤهم الدور المهم في عملية صنع القرار.

8. اعتماد صيغة تجمع ديمقراطي يجمع في صفوفه القوى والاحزاب اليسارية والديمقراطية والشخصيات على أسس العضوية الفردية

لقد أظهرت هذه التجارب أهمية وحدة أداة هذا التيار لتعزيز دورها؛ فقد اظهرت تجربة العمل المشترك فيما بينها- متمثلة بالتحالف الديمقراطي الذي جمع حزب الشعب والجبهتان الشعبية والديمقراطية في ظل الازمة التي عانت منها م. ت. ف أواسط الثمانينات - أهمية هذا التحالف رغم محدودية اهدافه. هذا من جهة، من جهة أخرى فقد أظهر التباين والاختلاف والعمل الفئوي الى أية درجة خسرت هذه القوى من مكانتها ودورها في الاطار الوطني الموحد م.ت.ف في المعارك التي كانت تستهدف اجراء الاصلاحات اللازمة في هياكلها، مما سهَل على القيادة المتنفذه اللعب على التناقضات والاختلاف فيما بينها لتعزيز انقسامها وتمرير رؤيتها في الاطار الوطني.

إن تجاوز الازمة الراهنة لقوى واحزاب اليسار والديمقراطية الفلسطينية يتطلب توفر المنهج العلمي والموضوعي والجدية اللازمة لقراءة اسباب هذا المأزق والعمل الجاد المخلص لتوفير مقومات الخروج من هذه الازمة.

فإذا كان من الصحيح رؤية الاسباب الموضوعية التي فعلت فعلها في نشوء وتبلور أزمة اليسار الفلسطيني متمثلة بانهيار تجربة البناء الاشتراكي في الاتجاه السوفييتي السابق وفي بلدان اوروبا الشرقية وما أفرزته من انعكاسات على مجمل الوضع الدولي وعلى القوى التقدمية والاشتراكية في العالم والعالم العربي وقوى اليسار الفلسطيني خاصة، مع تبدل في المزاج الشعبي والجماهيري الذي كان يرى في هذه التجربة النموذج الذي يمكن أن يحتذي عكس نفسه على علاقة هذا الجمهور مع هذه القوى، إضافة لما أحدثه هذا التغيير من ارباك وتخبط وضياع فكري سياسي في ضوء الهجمة الامريكية على المنطقة مستغلة تلك الظروف لتعزيز مكانتها.

إن غياب الديمقراطية الحقة في الحياة الداخلية لهذه القوى وفي علاقاتها مع بعضها البعض ومع الجمهور وعدم تجسيد مبدأ الرأي والرأي الآخر في التعامل مع قضايا الخلاف وسيادة ثقافة التعصب التنظيمي والانغلاق كان له الأثر البالغ على التجارب السابقة. وهذا ناتج عن طبيعة البنية الفكرية وظروف نشأة هذه القوى والاحزاب.

ان تقدم روح التنافس واثبات الذات لدى هذه القوى وأن بنسب متفاوتة قد لعب دوراً هاماً في عدم تعزيز العمل المشترك مما وفر البيئة المناسبة للقوى الاخرى لتغذية هذا التنافس والتنافر.

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب بناء أداة موحدة للتيار اليساري والديمقراطي، يسمح وجود منابر تعبر عن نفسها داخل الاطار الموحد وخارجه ويلتزم برؤيا سياسية واقعية تجيب على متطلبات معركة التحرر الوطني والديمقراطي، وتقدم النموذج المختلف عن الاخرين في احترام الرأي وارأي الآخر، وتؤمن بدور الجماهير في التغيير وما يتطلبه من مشاركة فعلية في صنع القرار. اداة تحمل مشروعاًُ ديمقراطياً في البعد الاجتماعي والاقتصادي لحل المعضلات التي تعاني منها فئات وقوى الشعب المختلفة. أداة تقوم على أساس الانتماء الفردي لهذا الاطار، مع ادراك أهمية الاستقلال المالي وتوفير مصادر التمويل اللازم لنشاطات هذا الاطار . لقد أثبتت التجربة امكانية التوصل لرؤية برنامجية مشتركة اذا ما توفرت إرادة العمل المشترك لبناء أداة موحدة للتيار اليساري والديمقراطي الفلسطيني. وهذا هو الطريق للخروج من المأزق الذي تعاني منه الساحة الفلسطينية، وانهاء حالة الاستقطاب القائمة بين حركتي فتح وحماس.

تجارب في عملية توحيد اليسار بعد اتفاقية اوسلو

ورقة مقدمه من: تيسير عاروري

حزيران / 2009

تتكون هذه الورقة من جزئين: في الجزء الأول سنقوم باستعراض لكل تجارب توحيد تيار قوى اليسار والمجموعات والشخصيات اليسارية الديموقراطية منذ اتفاق إعلان المبادئ الفسطيني –الاسرائيلي، المعروف باتفاق اوسلو. وفي الجزء الثاني سنحاول إجمال أهم الاستخلاصات والعبر وبالتالي أهم العوامل والأسباب التي قادت تلك المحاولات إلى النتائج المعروفة – الفشل.

التجربة الأولى وكانت كرد فعل سريع لإتفاقية إعلان المبادئ، ومحاولة استباق من منطلق معرفة الوضع في م.ت.ف. وعلى مستوى الأداء القيادي ومناهج العمل الى غير ذلك من أمور كان القائمين على هذه الحركة يعلمون جيدا بأنها لا تصلح لقيادة مجتمع ولا لبناء دولة. وقد أطلق على هذه الحركة اسم " حركة الإصلاح الديموقراطي في م.ت.ف." وتأسست في صيف 1993 وقد اقتصرت العضوية فيها على أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الخارج (أعضاء المجلس الوطني في الداخل كانت اسماؤهم غير معلنة) ، وقد ضمت الحركة 111 عضوا من اعضاء المجلس الوطني، أي قرابة ثلث أعضاء المجلس في حينه. هدف الحركة الذي عبرت عنه وثيقتها الرئيسية التي ذيلت بتواقيع كل الاعضاء، تركزت على ضرورة إجراء عملية إصلاح ديموقراطي عميقة وشاملة للمنظمة باعتبار ذلك شرطا ضروريا لنجاح العمل لاحقا، سواء كان ذلك عملية المفاوضات أو عملية بناء المجتمع والدولة.

في ذلك الوقت، الغالبية الساحقة من الكوادر السياسية الفلسطينية في المنظمة ومن مختلف المشارب، ممن كان يتابع مجريات العملية السياسية، كان يستشعر الخطر.

فالأخ أبو مازن، محمود عباس، الذي قدم تقريرا طويلا وشاملا عن إتفاق إعلان المبادئ في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني اكتوبر 1993 في تونس، بصفته رئيس لجنة متابعة المفاوضات المنبثقة عن اللجنة التنفيذية للمنظمة، أنهى تقريره قائلا: " هذه الإتفاقية إما أن توصلنا إلى دولة أو أن تقودنا إلى جهنم ، الأمر يعتمد على أدائنا، وأنا إيدي على ألبي (قلبي)".

في نفس الفترة أيضا وجه 12 شخصا ، من أكبر الأثرياء ورجال الأعمال الفلسطينيون رسالة شديدة وقاسية وصريحة إلى رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الراحل ياسر عرفات، ضمنوها رؤيتهم لطبيعة الإجراءات والتغييرات الديموقرطية الضرورية لنجاح المسيرة لاحقا.

بعد أن استشعرت قيادة المنظمة في تونس قوة الحركة واتساع تأثيرها، وخاصة على صعيد اهتمام الساسة والدبلوماسيين والصحافة العربية والأجنبية بها، بدأت تمارس الضغوط من أطراف وقوى فلسطينية بما في ذلك من بعض أعضاء اللجنة التنفيذية الذين كانوا على تواصل مع لجنة المتابعة للحركة ( وهي بمثابة هيئة قيادية مؤقتة) ويبدون تعاطفا معها، ضغوطا من أجل أن يسافر وفد من لجنة المتابعة إلى تونس ليتفاوض مع اللجنة التنفيذية. سافر وفد من 6 أشخاص في خريف 1993 وأجرى خمسة اجتماعات ماراثونية على مدى ثلاثة أيام مع اللجنة التنفيذية بوجود رئيسها. ولكن هذه الاجتماعات انتهت إلى فشل ذريع حيث لم يتم الاتفاق على أي بند من بنود جدول الإعمال. وفي صبيحة اليوم الرابع وقبل توجه الوفد إلى الطائرة عقد مؤتمرا صحفيا حضره العشرات من ممثلي الإعلام تم الأعلان فيه عن فشل مهمة الوفد، وتم إلقاء اللوم وتحميل المسؤولية لإعضاء اللجنة التنفيذية كافة وبدون استثناء كون بعضهم لم يف بالوعود التي قطعها للوفد بغرض إقناعه بالمجئ إلى تونس، وكونهم جميعا مجرد كومبارس للرئيس.

وفي الأشهر اللاحقة لم تتمكن الحركة من تطوير عملها، وبدأت تراوح في مكانها وتفقد من زخمها إلى أن تلاشت.

التجربة الثانية وقد عرفت باسم "الحركة الشعبية الديموقراطية الفلسطينية" وقد تأسست في ربيع 1995 في رام الله وشارك فيها كوادر من حزب الشعب والجبهتين الشعبية والديموقراطية وفدا، وعدد كبير من الشخصيات الوطنية المستقلة. وكان هدفها، وكما أعلن خلق قطب ثالث (وكانت هذه أول مرة يستخدم فيها هذا المصطلح) تم توصيفه بأنه ديموقراطي، واقعي، علماني وشعبي. وقد تم التوصل بعد بضعة أشهر إلى وثيقة سياسية. وتم الاتفاق على خوض الانتخابات للمجلس التشريعي في قائمة موحدة.

لم تعمر هذه التجربة طويلا، حيث أعلن وبشكل سريع ومفاجئ بناءا على اتفاق بين بيرس وابي عمار عن إجراء الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني وللرئاسة خلال فترة قصيرة. مسألة الاشتراك في الانتخابات أو مقاطعتها كانت الصخرة التي تحطمت عليها سفينة هذه التجربة الثانية. بالرغم مما ذكر أعلاه عن الاتفاق على خوض الانتخابات في قائمة موحدة، إلا أن قيادتي الجبهتين الشعبية والديموقراطية، في دمشق آنذاك، قررتا مقاطعة الإنتخابات، وقيادة حزب الشعب لم تكن متحمسة لتشكيل قائمة قطب ثالث من الحزب والمستقلين. وبذلك بدل أن تكون الانتخابات الفرصة الذهبية العملية لتشكل القطب الثالث كما اعتقد القائمون على التجربة، أصبحت الصخرة التي تحطمت عليها سفينة القطب الثالث وقبل أن تبحر.

التجربة الثالثة تجدد العمل مرة أخرى من أجل توحيد التيار اليساري بعد الإنتخابات الإسرائيلية‘ حيث هزم حزب العمل بقيادة بيرس وفاز الليكود بقيادة نتنياهو. وفي هذه المرة تم الإتفاق بين خمسة قوى هي حزب الشعب والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية وجبهة النضال وفدا أن يتم عمل تمهيدي من خلال اجتماعات دورية اسبوعية على مستوى عضوية المكاتب السياسية، وعلى أن لا تتجاوز العملية التمهيدية زمنيا مدة شهرين يتم خلالها صياغة ورقة سياسية بخطوط عريضة ومن ثم توسيع الدائرة لتشمل المستقلين من اليسار الديموقراطي وبعض المؤسسات، ليتم عرض مسودة الاتفاق عليهم لنقاشها وإثرائها ومن ثم إقرارها بصيغتها النهائية.

بدل الشهرين استهلكت العملية التمهيدية ستة أشهر. وقد تم التوصل إلى الورقة السياسية المنشودة بعيد اتفاق واي ريفر، حيث تم تحضير خمسة نسخ (وقع عليها ممثلو المكاتب السياسية الخمس) وأخذ كل فصيل نسخته ليقوم بنقاشها وعرضها على المقربين منه وأصدقاءه من المستقلين، تمهيدا لتوسيع الدائرة وتشكيل القطب أو التيار الثالث. بعد يومين فقط أعلمتنا الجبهة الشعبية أنها تسحب توقيعها، الأمر الذي قاد إلى ردة فعل بتوقف العملية بمجملها، ونهاية هذه التجربة الثالثة.

التجربة الرابعة كانت ردة الفعل تجاه النهاية المحزنة والمؤسفة للتجربة الثالثة، وضياع أكثر من ستة أشهر في نقاشات بيزنطية حول الكلمة والحرف والفاصلة، من قبل المتحمسين والمدركين للأهمية التاريخية لوحدة التيار الديموقراطي اليساري، سواء من كوادر القوى الخمس المذكورة أعلاه أو من مستقلين ديموقرطيين، أن تداعوا بعد فترة وجيزة من نعي التجربة الثالثة، في نيسان 1998 إلى الإجتماع حيث اتفقوا بسرعة قياسية على ما أطلقوا عليه اسم "الحركة الديموقراطية الفلسطينية"، وتم تشكيل لجنة متابعة موسعة. وتم الاشتراط أن كل من يشارك في لجنة المتابعة يشارك بصفته الشخصية، وليس التمثيلية، وذلك أن بعض المشاركين كانوا أعضاءا في الهيئات القيادية لتنظيماتهم (أعضاء مكتب سياسي أو لجنة مركزية).

لقد أقرت لجنة المتابعة بعد وقت قصير من تشكيلها ورقة أسمتها:

"معايير ومتطلبات الاعلان الرسمي عن الحركة" نصت على ما يلي:

1- على الصعيد التنظيمي

أ- بناء أنوية وتواجد "معقول" للحركة في كافة محافظات الوطن، وإقامة صلات و\أو بناء أنوية في مواقع الشتات الرئيسية: الآردن، لبنان، سوريا والأميريكيتين.

ملاحظة: حدود معنى كلمة معقول، يجب التوافق عليها من جهة، ومن جهة اخرى يحددها ليس فقط الكم، بل والنوع كذلك، فالنوع قد يعوض عن الكم.

ب- إستقطاب رموز وطنية، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ذات مصداقية على المستوى الوطني، أو على مستوى كل محافظة.

2- على الصعيد السياسي

كون الحركة "تضم كافة الوطنيين الديموقراطيين" ( وفق هوية الحركة كما حددتها ورقة الاطار) وكوننا نطمح أن تكون الحركة مظلة وجامعا لكل الديموقراطيين من مستقلين وشخصيات ومؤسسات وقوى سياسية، فإن توقيت الاعلان يجب أن لا يجهض عملية المخاض والحوار الداخلي في بعض القوى، وخاصة منها المؤهلة موضوعيا لتكون ضمن هذه الحركة.

بذل أقصى ما يمكن من جهد لضم عدد من مناضلي حركة فتح ممن لم يفقدوا مصداقيتهم على الصعيد الشعبي.

3- على الصعيد المالي

التوصل الى قناعة بأن كامل الاحتياجات المالية الضرورية لسير حياة الحركة بشكل طبيعي، يمكن توفيرها بشكل أكيد.

الآلــيات:

الآليه الرئيسية والحاسمة هي تفعيل وتنظيم عمل لجان الاختصاص، وبالتالي استيعابها لاكبر عدد ممكن من أنصار الحركة ومؤيديها، الى جانب القيام بما يلزم من عمل إعلامي وتبشيري.

كما أقرت في كانون ثاني 2000، بعد نقاش مستفيض وطويل، مشروع ورقة إطار (من 5 صفحات) حددت فيها هوية الحركة وبرنامجها ومهامها الأساسية على الصعيد السياسي، وعلى الصعيد المدني والإقتصادي والاجتماعي.

ونجحت في خلق امتدادات وعلاقات لها في كافة محافظات الوطن وبعض أماكن الشتات.

وهكذا وبعد أن فرضت وجودها ضمن الواقع السياسي الفلسطيني، قررت لجنة المتابعة طلب عقد اجتماعات مع قيادات القوى الخمس (التي ورد ذكرها أعلاه) لفتح حوار معها ولسبر غور إمكانية التوحد ضمن إطار ما يتفق عليه.

لقد كانت نتيجة هذه الاجتماعات (تم عقد أكثر من اجتماع مع بعض هذه القوى) فوق التوقع، حيث وافقت المكاتب السياسية رسميا على البدء بحوار باشتراك القوى الخمس (على مستوى عضوية المكتب السياسي بواقع 2 عن كل تنظيم) وممثلين من أعضاء مكتب لجنة المتابعة للحركة الديموقراطية، صاحبة المبادرة.

شكلت هذه الاجتماعات واقعيا، نهاية التجربة الرابعة وبداية لتجربة جديدة.

التجربة الخامسة لقد امتازت اجتماعات الحوار بدرجة عالية من الجدية والاحساس بالمسؤولية التاريخية. حيث تم الاتفاق على أن الهدف هو بناء "تجمع ديموقراطي فلسطيني".

وبهذا الصدد يجب أن نسجل هنا، ومن باب الأمانة وللتاريخ، بأن الرفيق أبو علي مصطفي، قد قام بدور متميز خلال كل الاجتماعات والتي استمرت لأشهر عديدة، وحرص على حضورها جميعا. وكان يردد جملة كلما كان يتأزم الموقف، وتلوح بوادر أزمة أو مخاطر تهدد بفشل التجربة، حيث كان يقول وبتأكيد على الكلمات: " يا رفاق، مش مسموحلنا نفشل، ممنوع نفشل".

وبالفعل وبعد جلسات حوار طويلة ومضنية تم التوصل إلى وثيقة بعنوان: "نحو بناء تجمع ديموقراطي فلسطيني" – مشروع الوثائق البرنامجية للحوار العلني والمفتوح – فلسطين 2001. ومن الجدير بالذكر أن الهيئات المركزية للقوى الخمس قد عبرت عن موافقتها على مشروع الوثائق في رسائل خطية.

لقد كان كراس الوثيقة تحت الطبع عندما أقدمت قوات الإحتلال الصهيونية على إغتيال الرفيق أبو علي بقصف مكتبه بالصواريخ. وقد أمدانا الوقت أن نضيف صفحة في مقدمة الوثيقة إهداءا إلى روحه نصها كما يلي:

"تهدي اللجنة التحضيرية للتجمع الديموقراطي الفلسطيني هذا العمل إلى الرفيق الشهيد أبو علي مصطفى، تقديرا لمساهمته الشخصية في إطار اللجنة التحضيرية، وحرصه الكبير على أن ترى هذه الوثيقة الهامة النور، وعلى أن يتحقق هذا المشروع الضخم لبناء التجمع الديموقراطي الفلسطيني."

لقد كان إغتيال الرفيق أبو علي مصطفى فعليا نهاية للتجربة الخامسة. حيث تلا ذلك استنكاف الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية عن متابعة المسيرة. فيما تمسكت القوى الثلاث الأخرى، حزب الشعب وجبهة النضال وفدا بالإضافة إلى الحركة الديموقراطية بالمشروع وواصلت المسيرة التي قادتنا إلى التجربة السادسة.

التجربة السادسة قام أعضاء من مكتب لجنة المتابعة للحركة الديموقراطية بجهود مضنية من أجل ثني الجبهتين الشعبية والديموقراطية عن قرارهم بالاستنكاف، بما في ذلك اجتماع مطول مع الرفيق أحمد سعدات لكن دون جدوى. وعليه قررت القوى الأربعة الأخرى مواصلة العملية، وقررت من أجل إبقاء الباب مفتوحا أمام الجبهتين عدم إجراء أية تعديلات على الوثيقة التي سبق وأقرت من الجميع. كما تمت صياغة "الإعلان التأسيسي للتجمع الديموقراطي الفلسطيني" وبدأت عملية جمع تواقيع عليه من كافة مواقع تواجد الشعب الفلسطيني. واشترط أن يكون الموقع ذو صفة تمثيلية، وان لا يكون فاسدا سياسيا أو ماليا. وخلال بضعة أشهر تم جمع 737 توقيعا. وبتاريخ 2/9/2003 وفي احتفال كبير في مدينة رام الله، جرى الإعلان عن قيام "التجمع الديموقراطي الفلسطيني" . الهيئات القيادية المؤقتة للتجمع تكونت من مجلس مركزي (55 عضوا) قام بدوره بانتخاب مكتب تنفيذي للتجمع (11 عضوا). التزاما بمأسسة عمل التجمع جرى تشكيل 9 دوائر ترأس كل منها عضو من أعضاء المكتب التنفيذي وهي:

1- دائرة العلاقات الوطنية

2- دائرة العلاقات الخارجية

3- دائرة الاعلام

4- دائرة الادارة والمالية

5- دائرة العضوية والبناء التنظيمي

6- دائرة العمل الثقافي ومنتدى الحوار

7- دائرة المنظمات الديمقراطية

8- دائرة الشباب والطلبة

9- دائرة شؤون المرأة

إضافة لذلك مهمة أمين السر ومهمة المنسق العام للتجمع

وتم تشكيل لجان تحضيرية في كافة محافظات الوطن.

وفيما يتعلق بإدارة الموقف السياسي للتجمع (آخذين بالإعتبار خصوصيات بنية وعضوية التجمع) تقرر أن يقوم منسق المكتب التنفيذي بالدعوة لاجتماع بين فترة واخرى للجنة سياسية استشارية يدعى لها أعضاء المكتب التنفيذي والامناء العامون واعضاء اللجنة التنفيذية والوزراء واعضاء المجلس التشريعي ..الخ (من أعضاء التجمع الديموقراطي)، ويمكن دعوة آخرين من مثل هذه الفعاليات من خارج التجمع وفقا للقضية موضع النقاش، وذلك لمناقشة تطور سياسي ما، او محاولة بلورة موقف تجاه قضية طارئة ...الخ.

وفيما يتعلق بالاعلان عن مواقف التجمع تجاه التطورات اليومية في المجالات السياسية او الديمقراطية او الاجتماعية فقد تقرر تكليف الدائرة الاعلامية بالمتابعة اليومية للحدث واقتراح الموقف المطلوب بما ينسجم مع الخط العام للتجمع والتشاور بذلك مع المنسق واعضاء المكتب التنفيذي بما لا يؤثر على سرعة اصدار الموقف. وبهذا الخصوص فقد تقرر تسمية منسق دائرة الاعلام ناطقا إعلاميا باسم التجمع.

إن تقييم وضع التجمع بعد مرورعام ونصف على ميلاده أشار إلى انه باستثناء بعض النجاحات التي تحققت على صعيد العلاقات الدولية للتجمع مع أحزاب اليسار في أوروبا، ونشاط معقول لدائرة العمل الثقافي، ونجاحات ملحوظة في انتخابات بعض النقابات المهنية، إلا أن التجمع وبالإجمال لم يحقق الحد الأدنى من الطموحات المتوقعة، ولم يتمكن من التقدم الفعلي وأن يفرض نفسه قوة سياسية ذات وزن على الخارطة السياسية الفلسطينية. وفي حين كانت انتخابات المجالس البلدية والمحلية في مرحلتيها الأولى والثانية فرصة ذهبية للتجمع، إلا أنه فشل في تقديم قوائم باسمه لهذه الانتخابات بسبب حسابات فئوية وذاتية صغيرة لدى الفصائل الثلاث المشاركة في التجمع. كما لم يستطع المكتب التنفيذي أن يتفق على تقديم أو دعم مرشح معين للرئاسة.

لقد شخصت ورقة أعدها المكتب التنفيذي للتجمع في نيسان 2005 وضع التجمع حيث أشارث إلى:

1- تراجع حماس واستعداد العديد من اعضاء الهيئة التأسيسية للمشاركة، وتسرب حالة من الاحباط لدى قسم منهم، واستنكاف العديد من الشخصيات التي كانت تنتظر انطلاق التجمع للانضمام له، وافتقاد محفزات الانجذاب لهذا المشروع.

2- تعزز وجهة نظر بعض الاطراف التي كانت مدعوة للتجمع ولم تستجب لاسباب ذاتية لديها، في التشكيك بجدية التجمع، كما لم يشكل ما بعد الاعلان تحديا فعليا لهذه القوى لدى قواعدها او جمهورها.

3- تراجع العلاقات بين مكونات التجمع؛ فبدلا ان يشكل الاعلان عن التجمع عاملا محفزا للارتقاء باشكال العلاقات والعمل المشترك بين القوى المشاركه فيه، شهدت هذه العلاقات تراجعا وشاب العمل المشترك اشكالا من التوتر في عدد من المواقع؛ كما تراجع استعداد واهتمام عدد من مؤسسات المجتمع المدني للمشاركة والعمل من خلال هذا المشروع.

لقد كان المسمار الأخير في نعش التجمع هو فشله في خوض انتخابات المجلس التشريعي (كانون ثاني 2006) بقوائم باسم التجمع، الأمر الذي أخرجه نهائيا من خارطة القوى السياسية الفلسطينية.

ننتقل الآن إلى إجمال أهم الاستخلاصات والعبر وبالتالي أهم العوامل والأسباب التي قادت تلك المحاولات إلى ما آلت إليه كما استعرضنا أعلاه.

إن الدراسة العلمية التقييمية تتطلب بداية دراسة كل تجربة على حده دراسة تفصيلية واستخلاص أهم دروسها، وبعد ذلك رؤية ما هو مشترك فيما بينها جميعا، وإلى أي مدى استفادت كل تجربة مما سبقها، وهل تكررت نفس الأخطاء، ولماذا؟

للأسف فإن هذا يخرج عن نطاق هذه الورقة ، وإن كنا نعتقد أن قضية توحيد التيار اليساري الديموقراطي الفلسطيني تتطلب بالضرورة مثل هذه الدراسة.

وعليه فإننا سنكتفي بإجمال أهم الاستخلاصات:

1- عدم توفر الارادة السياسية لدى قوى اليسار في إعتبار قضية الوحدة خيارا مباشرا واساسيا واستراتيجيا لها، وتعبئة اطرها وعملها لترويج فكرة تجميع التيار، وبالتالي انخراط كل اطرها لإنجاح هذا المشروع الديمقراطي الكبير كما يفترض، حيث كان التركيز يتم على النفخ في أي تباين او اختلاف كان يجري سواء في مسائل تنظيمية او سياسية، بحيث يتم البناء على ذلك من اجل اضافة عقبات امام أي جهد عملي لتطوير مسار الوحدة.

2- استسهال العمل المألوف الخاص بكل خندق من الخنادق والحذر من التقدم بالعمل المشترك على اعتبار ان ذلك سيكون على حساب هذا الطرف او ذاك، والنظر الى الإطار الموحد (التجمع) من زاوية اعتباره عبئا عليها وعدم توفر قناعة بانه وتحت كل الظروف سيسهم في بلورة وتعزيز دور التيار الديمقراطي في البلاد.

3- الاستخفاف بأهمية مسألة توفير المستلزمات الضرورية لمأسسة العمل، وعلى رأسها تأمين المصادر المالية الضرورية للعمل. وفي تجربة التجمع الديموقراطي كان هذا عاملا حاسما في وأد التجربة.

4- عدم مراعاة العامل الذاتي ومخاطره الذي يمكن تلخيصه في المثل الإيطالي: (الأول في قريتي ولا الثاني في روما). فالأمناء العامون للفصائل (طالما لا زالوا أمناءا عامين في تنظيماتهم) يجب أن يكونوا أعضاءا في أعلى هيئة قيادية للإطار الموحد. إن محاولة تجاوز ذلك بأي شكل من الأشكال، سواء من خلال تنظيم احتماعات خاصة تقتصر عليهم وعلى المنسق العام وعلى بعض أعضاء المكتب التنفيذي (كما في حالة تجربة التجمع الديموقراطي) لم تحل الإشكال. إن هذا العامل تكرر في كل التجارب الستة، وكان أحد الأسباب الرئيسية للفشل.

5- ضرورة ملاحظة التغير النوعي الذي طرأ على العمل السياسي في فلسطين بين مرحلة ما قبل قيام السلطة وما بعدها. فعلى صعيد المناطق المحتلة (الضفة والقطاع)، ما قبل قيام السلطة، كان النضال والعمل السياسي سريا بالأساس واعتمد على الاستعداد للتضحية والنضال وتحمل المخاطر والسجون....الخ، وبالتالي فإن عوامل المكانة والشهرة والفوائد والإمتيازات، غير منظورة أو غير موجودة. في حين، وبعد قيام السلطة حيث يسود العمل العلني والحد الأدنى للمخاطر، تصبح عوامل المكانة والشهرة والفضائيات والامتيازات والوظائف العليا الحكومية، أمورا لا يمكن تجاهل تأثيراتها.

6- التأثير السلبي لنظام الكوتا المعمول به في م. ت. ف. على وحدة اليسار الفلسطيني، أمر لا يجوز الاستهانة به أو التقليل من مخاطره. وهو أمر أجاد استعماله الرئيس الراحل أبو عمارسواء قبل قيام السلطة، ولكن وبشكل أشد خطورة وتأثيرا بعد قيام السلطة. ويصبح هذا العامل أشد خطورة في ظل واقع قوى اليسار، حيث أيا منها لا يحصل على 3 % في الانتخابات العامة، وغالبيتها تقل نسبتها عن 1 %. وبالتالي بدل أن يكون عامل الوحدة، موضوعيا هو خشبة النجاة لجميع قوى اليسار، وعامل هام لتطوير تأثيرها السياسي، تصبح عوامل الاعتبارات الذاتية والشخصية، بالاستناد إلى نظام الكوتا وما يقدمه من إمتيازات ومنافع شخصية للقيادات وللكوادر الرئيسية، عامل جذب بالاتجاه المعاكس للوحدة. أي عامل إعاقة جدية للوحدة بالرغم من التمسك بها لفظيا.

7- في غالبية التجارب التي أشرنا إليها، تم إعطاء اهتمام مبالغ فيه لصياغة الأوراق السياسية والبرامجية وما إلى ذلك، وبالتالي صرف عليها وقت أكثر كثيرا مما تستحق، في حين أن الجوانب والأوراق التنظيمية لم تحظ بما تستحقه من اهتمام. وكثيرا ما كانت تخضع للمساومات وللحلول الوسط، وبالتالي تتحول عند أي منعطف إلى عامل تفجير أو عامل كابح للعمل والنشاط.

8- الإستخفاف، وبالتالي عدم إتخاذ الاحتياطات والانتباه الضروري تجاه النشاطات التي تستهدف إجهاض التجربة، من قبل أعدائها ومن لهم مصلحة في فشلها، سواء منهم اليمين الفلسطيني وما يملكه من أجهزة، أو القوى الصهيونية وعملائها وأدواتها ، او الأميركية وحلفائها وعملائها في المنطقة. فكل هؤلاء ليسو محايدين ولا يمكن أن يقفوا متفرجين تجاه عملية توحيد جدية لقوى اليسار وللتيار اليساري الديموقراطي الفلسطيني.