Wednesday, July 1, 2009

الطرق لحياة أفضل - مسيرة وضع الدستور البوليفي الجديد

ورقة مقدمه من: اوسكار فيغا كاماكو

امريكا اللاتينيه – بوليفيا

حزيران / 2009


منذ أوائل التاريخ والشعب البوليفي والذي يتكون من مزيج مختلط، والملهم في نضالات الماضي وفي ثورة الهنود الحمر قبل الاستعمار وفي الاستقلال وفي حروب الحرية وفي المسيرات الهندية والشعبية والنقابية وفي حروب المياه وشهر تشرين أول وفي الحروب من أجل الأرض والتراب وفي ذكرى شهدائه يبني دولة جديدة. "مقدمة الدستور السياسي لدولة بوليفيا ، 2009" .


أن تكون سعيدا هو أن نبني بيتنا .

نزرع ، نرعى نحصد ونطبخ أكلنا الخاص بنا

أن نقرر الملابس التي نرتديها ، وأن نعالج

أن نضع إيقاع خاص لأفراحنا وأحزاننا

أن نحافظ على الحق في التعليم لأطفالنا

دائما سنكون بحجم أعمالنا

بلباقة وخطأ أيدينا وعقولنا.

وانكار.


مقدمة :-

بوليفيا هي خبر، مرة أخرى فان الأحداث في بوليفيا هي هدف وسائل الإعلام العالمية، قوة التحركات الشعبية والقدرة على هز الحكومات المتعاقبة ، فضائح الفساد السياسي والاقتصادي، الفقر الشديد والبؤس الذي يعيش فيه أغلب السكان، التنوع الكبير في النظام البيئي في وسط أمريكا الجنوبية، قوة الثقافات الهندية الحمراء، التوقعات الكبيرة المتعلقة بالمخزون الكبير للمواد الخام والنزاع على الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يجب أن تلعبه شرائح الشعب. هذه هي أخبار تسجل انطباعات وتثبت صور لدولة على وشك الحدوث، لدولة يمكن أن تكون أو أن تندثر. إن هذه ليست المرة الأولى التي تعامل فيها دولة على هامش النظام الاقتصادي بهذه الطريقة، بحيث تبحث عن تعريف او تجديد لنفسها، لذلك ربما بوليفيا تمثل الصورة المبنية عن الدولة التي دائما تبحث عن تأسيس نفسها أو تبدأ من جديد. ادعوكم إلى التفكير في بناء دولة، كما يقول وانكير، بحجم أعمالها وبمهارة أو عدم مهارة أيديها وعقولها. في جميع الأحوال فأننا نقصد دولة من الأسفل وللذين يتواجدون في الأسفل، مبنية على الطاقات الشعبية، والمقدرة على الدفاع عن الموارد الطبيعية، ومع الأخذ بالحسبان قوة التحركات للهنود الحمر من أجل التأثير على الخيارات المطروحة في الحياة السياسية، كأداة للحياة ومن أجل الحياة. وكما هو معتاد القول: طريق لحياة أفضل، وهي طريق بطيئة، مبنية على تجارب أولئك الذين لم يطبقوا السرعة الكافية للنمو والتطور والازدهار، لأولئك الذين دائما تم وضعهم بأنهم أعداء الحضارة والتقدم. وطريق بطيء لان عليهم أن يعرفوا الخيارات والبدائل قبل أن يستمروا في الطرق المختلفة، وأن يحافظوا دوما على طريق جماعي وللجميع، وأن يعرفوا أن ذلك يشمل عدة مراحل وعصور ويجب مناقشتها وجمعها لتشكل نسيج كامل وكثيف لعبور المراحل المختلفة والذي يستطيع تجاوز الاستعمال البسيط ويعطي شخصية وشهادة ووعد بالحياة .

هذا يعني أن كل هذه الأطر والأمثلة النظرية المتبعة يتم وضعها في اختبار من قبل أولئك الذين كانوا يمثلون أهدافها، وعلى نفس الطريقة ، يتم تحديد مقاساتها من أجل المعرفة والنظام والتحكم. إن مفهوم السلطة الحالي يتم رفضه من قبل المهمشين ومتطرفي الأفكار، على الأقل، من قبل أولئك الذين كانوا يفتقرون للسلطة أو لم يكن لديهم المقدرة على ذلك[1] فمن عالم المظلومين في الأرض انبعثت بوادر النور والأمل لوعد بعالم أخر " العالم الذي يتسع لكل الناس" كما يقول الزاباتيستاس[2].

أن الدعوة للبدء في التفكير بطريقة أخرى هي دعوة للعبور من الطرق التي مر بها السكان الأصليون الهنود الحمر. النظام العالمي يجتاز مرحلة من عدم الاستقرار وعدم تحديد المسؤوليات وهذا يضع الكوكب كله وسكانه في خطر، إن التغبيرات البيئية والمناخية والنقص في الطاقة والأغذية واتساع رقعة الفقر وعدم المساواة في ظروف الحياة بين الشمال والجنوب، والعولمة الشرسة وزيادة الحروب الداخلية وإعلان الدول المنبوذة من قبل القوة العظمى الأمريكية، والهجرة الجماعية والحكم بعدم الحصول على حق المواطنة والازمة المالية وإنقاذ الشركات العالمية الكبرى، كل هذه الأمور تضع العالم في خطر.

إن المشهد العالمي في بداية القرن الحادي والعشرون خطير ومحبط، وهذا زاد من المواقف الدفاعية والمحافظة في النظام الحالي على غرار المثل الدارج "إن الشيء المعروف أفضل من الجيد الغير معروف". إن المظلومين في نصف الكرة الجنوبي لا يملكون هذا الاختيار، ربما لأنهم الأمل لعالم أفضل، وعليه يكون واجب النضال لعالم أفضل وطريق أفضل لبناء نظام عالمي عادل وشريف للشعوب والأمم التي تعيش في هذا العالم[3].

جسور وضواحي، معرفة وعلم، أسس السلطة والمقاومة والنضال، التحكم والسيطرة على الحياة والبحث عن الحياة الأفضل، قفزة في أشكال التفكير من خلال الطرق المفتوحة من أجل الكرامة والعدل لشعوب الهنود الحمر. لا شك بأن هذا يشكل فضيحة لمفهوم السلطة ولكن هذا لا يعني ابتكار أشكال جديدة من التحكم والاستقلال. إن هذا يشكل فضيحة لمفهوم السلطة كون أن الدروس الديمقراطية تمثل أدوات للثورة والعتق وقوة الحركات الشعبية لتحقيق التحرر وتقرير المصير والتنظيم والمشاركة في المجتمعات.

إن الوضع في بوليفيا ومسيرة وضع دستور جديد في بوليفيا في هذه الأيام هي دليل واضح على مقدرة المجتمع والتغييرات المؤسساتية في إطار ديمقراطي على تحسين الديمقراطية والاستقلال، وعليه نسأل: لماذا الحاجة إلى مجلس تشريعي لوضع دستور جديد؟ لماذا الحاجة إلى بناء دولة؟ أي علاقة أو أمل يربط بين الشعوب والأمم من أجل عمل نظام جديد؟ في وقت انتهاء أشكال دولة المبنية على الأمة ولماذا التأكيد على شكل دولة ذات أمم أو أجناس متعددة ؟ هل وضع دستور جديد هو الطريق للتغييرات في الدولة، وماذا سيحصل مع المجتمع وخاصة في ظل عدم المساواة والتمييز وانعدام العدالة الذي ينتشر فيه.

عندما نبدأ الجدل حول عملية وضع دستور جديد لجمهورية بوليفيا فإننا سنواجه أسئلة أكثر، وكأن الطريق محفوف أكثر بأسئلة وشكوك من إجابات وتأكيدات. وهذا يدفعنا للتفكير في القدرة على خوض التجربة. كما يقول برافنتورا دي سوسا سانتوس – كذلك إبداع واختراع- كما يقول توني نيغري. بطريقة أو بأخرى فان الذي يبقى واضح هو أنه فقط بشكل جماعي وبدعم شعبي يمكن البدء بتطبيق التغييرات المؤسساتية وبشكل تبعي التغييرات الأخرى المترتبة على ذلك.

طريقة ممكنة من أجل تطبيق الطرق لحياة أفضل في بوليفيا هي تطبيق تعدد الثقافات كأداة في الدستور الجديد للدولة، والمعلن عنه من قبل الرئيس ايفوموراليس بتاريخ 7 شباط لعام 2009، والذي يعطينا إطار دستوري لهدم وتفكيك السلطة الاستعمارية ولتطوير طرق جديدة من القانون والمؤسساتية والسلطة طبقا للضرورات التي يمليها المجتمع المعقد والمتعدد.


1) تعدد الثقافات كأداة:-

الذهاب إلى الآخر والرجوع إلى الآخر، لا يشكل مشكلة عقلانية، وانما هو مشكلة عواطف قلبية. فمن الواضح أن الإنسان يستطيع دراسة الاخر، وأكثر من ذلك فهذا واجب على الإنسان. ولكن تفهم الأخر هو شيء أخر وكذلك معرفة حياة الشعوب، عمل السؤال الضروري والذي يقود إلى المعرفة، لا يخرج من المعرفة العلمية وإنما من قلب الأخ أو الأخت، فقط بهذه الطريقة يستطيع الناس الخروج من عالمهم والدخول في عالم أخر، لأنه عكس ذلك فأنه من الممكن أن يذهبوا ويرجعوا ولكن دون أن يفهموا وكأنهم يدوسون الأعشاب التي تهب الحياة، لأنهم يظنوها ضارة ويدنسون الأرض لأنهم يعتبروها مشروع اقتصادي، ويعتدون على حرمة المياه دون اكتراث. نستطيع الذهاب إلى عالم أخر ولكن إذا لم يكن القلب مجهز لن نستطيع رؤية شيء، اباديو جرين.

ان هذه الكلمات لأباديا جرين هي النور الذي تنير لنا الطرق المظلمة للجدال حول تعدد الثقافات. أولا: يجب ان لا يربكنا الاسم لأن أباديو جرين هو عالم أصول الإنسان في جامعة انتيوكيا في كولومبيا وهو من شعب الكوناس الذين يعيشون في بنما وكولومبيا ويحمل كباقي شعب الكوناس اسم أحد القراصنة الذين كانوا يعيشون في تلك المناطق في عهد الاستعمار، في المكان الثاني فهو يعيش ويعاصر بشكل دائم طرق الغابات في منطقة شعب الكوناس وقاعات الجامعة في مديجين كبيئة خاصة بظروف عملة، وهذا يعني أن حياته هي تطبيق عملي لتعدد الثقافات. أخيرا، فان كلماته هي مرآة للصعوبات والتحديات في الحديث عن الآخرين ومن قبل الآخرين، وعليه يجب الاعتماد على القلب قبل أي شيء أخر لتحضير المستمعين أو الناظرين أو الباحثين، لأنه المعرفة دون القلب هي معرفة قياسية هدفها التحكم، وفي المقابل المعرفة بالقلب هي معرفة مشتركة وغير منتهية لأنها تغيير الناس الذين يعرفون أو يعملون للمعرفة.

وعليه، فان التعامل مع تعدد الثقافات قبل أي شيء هي تعلم أكثر من تعليم، فان الإنسان لا يتم تعليمه لكي يصبح متعدد الثقافات، ولكن في الواقع فان الإنسان يتعلم أن يصبح متعدد الثقافات، إن هذه الخطوة بين التعلم والتعليم هي حاسمة في المجال الثقافي، لأن هذا يفترض تعديل جذري للمعرفة وبناء السلطة.

إذا بدأنا بالسؤال ما هي[4] المعرفة، من يعرف، ماذا تعرف، نستنتج أن هذه المعرفة هي معرفة الفلاسفة والمفكرين، ولكن إذا سألنا كذلك، كيف يتم نقل المعرفة، من أجل ماذا تستخدم لماذا هذا وليس الآخر، فان هذا يبدو تفكير علماء وحكماء، وإذا استمرينا في السؤال، من يعرف من، كيف نحدد أو نفصل معرفة من أخرى، لماذا السلطة لأحد هذه المعارف، ما هي سلطة المعرفة، فانه نستنتج أن شيء سياسي في الموضوع.

للتعامل مع تعدد الثقافات يجب تبسيط الخلاف من أجل الثقافة، لأن الشيء المقصود هو ماذا نفهم من الثقافة، كيف نمارسها ونقييمها ونؤسس لها، ويجب أن نجزء الثقافة لكي نتعلم تعدد الثقافات، لأنه لا توجد ثقافة واحدة في أي حال من الأحوال، فدائما كان يوجد ثقافات تتعايش مع بعضها أو تتخاصم فيما بينها، وشيء أخر هو أن نسلم بوجود ثقافة رسمية أو مسيطرة. ومن الناحية الأخرى فان الثقافات تتفكك وتتطور مع مرور الوقت، فالثقافة الحية يجب دائما أن تكون متغييرة ومتحولة ومتجددة. وعليه يجب أن نخرج من عقولنا فكرة أن الثقافة وحيدة وثابتة، وكذلك فمن منطلق تعددية ومرحلية الثقافات فانه يجب أن نخرج من عقولنا فكرة أن الثقافة هي كل شئ غير ملموس وغير منتج[5]، وهذا يعني أنه يتم التأكيد على فكرة أنه لو كل الناس في هذا العالم تعمل وتنتج وتتاجر وتتزوج وتنجب وتفعل ذلك بالوسائط المتوفرة بين ايدينا من دولارات وشركات وصناعات واتفاقيات تجارية وجنس، الخ، فان الشيء الوحيد الذي يميزنا هو الثقافة، مثل أن يختلف الزي من مرة لأخرى، وإذن، في ماذا تكمن الثقافة؟ الجواب هو في كل شيء إضافي وغير ملموس وغير منتج. إن هذه الفكرة التي تعمل بشكل ممتاز في عالمنا المعاصر هي عملية جدا لتفسير مفهوم تعدد الثقافات، لأن هذه الفكرة وبشكل عادل تحدد التعددية الموجودة في هذا العالم المعاصر وفي الحياة الاجتماعية خاصة وهي تشكل ذريعة ممتازة لإدخال تعدد الثقافات إلى معرض الاستهلاك وكأن الثقافة هي بضاعة أخرى فاليوم نعرض موسيقى كوبية، وقهوة كولومبية، وكوكا بوليفية، ونقانق ألمانية، وبيرة أمريكية. الخ.

الخلاف من أجل الثقافة، هو تجزئة الثقافة لتعليم تعدد الثقافات، وهو يمثل معركة من أجل إعادة الكرامة للثقافة وحفظ النواحي المادية منها، لأنه إذا لم يتم ذلك ستصبح فريسة سهلة للشركات العالمية، لأنه لن يتم إنتاج أفراد مستهلكين فحسب وإنما نكون نحن هدف الاستهلاك لهذه الشركات، وعليه فان الحديث عن النواحي المادية من الثقافة هو موضوع من القلب، كما يقول أباديو جرين. وأما قوة المعرفة فهي المقدرة على التأثير في العلاقة بين التعليم والتعلم والتي نعيشها يوميا مع الآخرين والذين يعيشون معنا باستخدام طرق المعرفة التي نمارسها.

إن الطريق الذي سلكته الشعوب والأمم للتأكيد على أهمية ممارسة تعدد الثقافات في الحياة وللحياة بدء منذ عدة عقود في بوليفيا، على سبيل المثال المقترحات التعليمية في واريساتا في عقد الثلاثينات[6]. إعادة التأكيد على الأرض والمواطنة في 1940، والمقترحات السياسية والاجتماعية مع الكاتاريستاس في عقد السبعينات، المطالبة بتعدد الثقافات واللغات في الثمانينات والتسعينات، وأخيرا منذ بداية القرن الجديد الحادي والعشرون، فان تعدد الثقافات يعد الهدف الرئيسي لمسيرة وضع دستور جديد لإعادة تأسيس الدولة من خلال هذا الدستور السياسي الجديد للدولة. يمكن تحديد بداية هذا التحرك السياسي من أجل دستور في المسيرة من أجل الحياة في 1990 والتي بدأت من قبل شعوب وأمم الأراضي المنخفضة والتي عكست التنوع الثقافي الكبير لبوليفيا وقوة هذه الشعوب من أجل الدفاع عن طريق حياتها[7].


2) مسيرة وضع الدستور الجديد.

من أجل أن نستوعب الحجم التاريخي للحظات التي نعيشها فانه من الضروري تحديدها من منظور أنها عملية مستمرة، وكأنه طريق تفتح وتتسع كلما مشينا فيها، فهو ليس شيء محدد أو يسير حسب خارطة أو هدف مقصود، وإنما هو عملية لها مظهر الحياة وهي في بحث مستمر وإنتاج وحصاد وإنجاب لكي نبدأ من جديد حلقة الأجيال المنتجة والفترات المتجددة والمفتوحة دائما.

إذن، قبل الحديث عن المراحل الضرورية قبل وضع الدستور الجديد، والمجلس التشريعي وفترة ما بعد وضع الدستور، يجب الحديث عن المقدرة على وضع الدستور الجديد، وما الذي يمكن ويجب تشريعه. وهذا يعني أنه مع مرور الوقت ستتظهر أمور جديدة وأخرى تتحول أو تتغير أو يتم إيجادها وتظهر إيقاعات جديدة من الحياة، إن هذا الوقت يدعوه البعض وقت انتقالي، وعليه يمكن تسمية الدستور الجديد دستور انتقالي[8].

المرة الأولى في تاريخ جمهورية بوليفيا، وهذا يعني منذ تأسيسها سنة 1825 استطاع كل السكان المشاركة في الانتخابات وفي النقاشات والاقتراحات لعمل دستور جديد. للمرة الأولى استطاع المجتمع البوليفي المتعدد والمتنوع المشاركة في بناء الإرادة العامة، وبهذا أصبح الشعب البوليفي صاحب السيادة[9]. منذ الدعوة والانتخابات لممثلي الشعب في المجلس التشريعي التأسيسي في 2006 وحتى الصعوبات والجلسات المتعثرة لاعتماد نظام المجلس، وكذلك الهجمات المستمرة وعدم الموافقة حتى تحقيق أن لا تتم الاجتماعات في سوكري والانتقال إلى اورورو، والشعور بالفشل كل هذا كان يشكل المناخ العام الذي تناقلته وسائل الإعلام والشائعات الاجتماعية.

الحاجة إلى عقد اتفاقيات الحد الأدنى من أجل الوصول حكم الشعب عن طريق الدستور جديد والذي سيتم طرحه للاستفتاء العام من قبل السكان الزمت البحث عن مجالات جديدة ومشاهد سياسية تعطي إمكانية استمرار عملية الدستور الجديد، الأحزاب السياسية، البرلمانيين، كتاب العدل، رؤساء البلديات، المراقبين والوسطاء الدوليين، تقريبا سنة من المبادرة والفشل، حتى وأخيرا وبعد ظهور نتائج الاستفتاء الشعبي ضد أو مع استكمال السلطات المنتخبة لمدتها القانونية في عام 2008 وأحداث باندو اجبرت الجميع على استكمال مسيرة الدستور الجديد وتحديد موعد للاستفتاء الشعبي والانتخابات العامة والبلدية.

تحديد طريقة صياغة نص الدستور الجديد حاسم جدا لأنه يحدد شروط صياغته والنواب المشتركين وعلاقة القوى السياسية فيما بينها ويحدد الترابط والتلاؤم من أجل مشروع عام وموحد. وعليه يجب التشديد على دور التعددية الفعلي، فهو ليس عمل شخص واحد أو فريق واحد أو حزب واحد أو مؤسسة واحدة يكلف بكتابة الدستور، وكذلك ليس نص واحد في عدة أوقات مثل الدساتير السابقة لبوليفيا، بحيث كان من الممكن فيها تحديد المؤلفين أو المسئولين عن هذه الصياغة، دون الذهاب بعيدا، الدستور السياسي الأول للدولة عام 1825 تم طلبه بشكل واضح من سيمون بوليفار.

في حالة الدستور الجديد يوجد بعد اجتماعي للنص، فهو عمل جماعي في بناءه ومكوناته وإضافته –كما هي الحال بالنسبة لأي نص- ولكن وبسبب صفاته السياسية الخاصة أو المطالبات الشعبية يجب أن يتم تفسيره وعرض الموارد وظروف إعداده والنقاشات التي ستسبق اعتماده.

على الأقل يجب الإشارة إلى أنه في بداية جلسات المجلس التشريعي التأسيسي استلمت حوالي 80 مبادرة مختلفة ومن جهات مختلفة، ولا بد من التنويه إلى الاقتراح المقدم من "اتفاق من اجل وحدة الهنود الحمر والفلاحين الأصليين"[10] والذي سيشكل العمود الفقري لما يسمى "المادة: تأسيس بوليفيا" كذلك العشر نقاط الأساسية التي قدمها حزب [11]MAS-IPSP. كذلك فان كل حزب أو مجموعة كان لها اقتراح أو بعض النقاط المحددة[12]. وقام المجلس التشريعي التأسيسي بعمل استفسارات ميدانية في ثمانية محافظات من البلاد من أجل جمع المبادرات ومداولة ذلك مع المواطنين والمؤسسات. وبعد ذلك تم تنظيم العمل في 22 لجنة لتحضير تقارير للأغلبية والأقلية من أجل البدء في تجهيز النص الأولي للدستور، ولكي يتم بعد ذلك عرضه على المجلس لكي يتم التصويت عليه[13].

إن الصعوبات والعوائق للوصول إلى هذا الاجتماعات الزمت العمل على عقد اتفاقيات سياسية مع سلطات ودوائر مدنية وبعد ذلك مع القوى البرلمانية من خلال اللجنة المسماة اللجنة السياسية فوق الحزبية، وتم التوصل إلى اتفاقيات وتفاهمات مهمة حول المواضيع المختلفة، ولكن لم يتم التوصل إلى التوقيع والمصادقة على هذه المقترحات، ولكن وبالرغم من ذلك فقد تم إضافتها إلى النص الأولي بالأغلبية، وهذا النص اعتبر مسودة الدستور الجديد، ويجدر الإشارة إلى أن قوى الأقلية والمعارضة في المجلس لم تقدم أي مقترحات محددة وهذا يعني لم يكن هناك أي رغبة من قبلهم في أن يستكمل هذا المجلس عمله.

وبالرغم من كل ذلك، فان التاريخ المحدد قانونيا لنهاية عمل المجلس قد اقترب. محافظ سوكري وبناءا على طلبهم لم يسمح بعقد الجلسات في مدينتهم، والمحافظات التي اختارت الحكم الذاتي في استفتاء 2006 قامت بعمل الاستفتاءات لمواطنيها لاعتماد وضعها والدفع باتجاه حكم ذاتي فعلي في خطوة تشكل عدم امتثال للدستور الحالي. إن الحاجة إلى إنهاء المجلس لاعتماد النص المحدد وفي التاريخ المحدد أفضت إلى اعتماد النص في اورورو بتاريخ 14 كانون الأول 2007.

مجددا فان الاستمرار في مسيرة الدستور الجديد[14] استغرقت تقريبا عام 2008 كاملا فالمواقف المعارضة للنص المصادق عليه وعلى العملية نفسها أدت إلى تنظيم استفتاء عام ضد أو مع مواصلة السلطات الوطنية والمحلية لعملها. النتائج النهائية لهذا الاستفتاء[15] وعدة أحداث مدبرة من قبل سلطات وجهات في المحافظات لا زالت مستمرة وهدفها التعرض للمنشات العامة وأخرها الأحداث المؤسفة في باندو حيث راح ضحيتها 19 قتيل و53 جريح وعدد من المفقودين الذين يتم تحديد سكانهم حتى الآن، دفعت باتجاه البحث عن الظروف المناسبة لاتفاق سياسي لاستمرار عملية وضع الدستور الجديد، وهذا ممكن من خلال القيام بعقد اجتماعات جديدة بين السلطات الوطنية وسلطات المحافظات على أساس أجندة سياسية من الشروط الدنيا المتفق عليها، ولكن مع ذلك لم يتم توقيع على هذه الاتفاقيات. وكانت القوى السياسية البرلمانية قد قامت بجمع هذه المبادرات وأسست اللجنة الخاصة لعمل المجلس الوطني والتي انتهت بالاتفاق وتقديم في شهر تشرين الثاني عام 2008 النص الممحص، وهذا هو مشروع الدستور الجديد والذي سيتم عرضه على الشعب للمصادقة عليه أو لا في استفتاء شعبي سيعقد بتاريخ 25 شهر كانون ثاني لعام 2009.


3) الدولة كوسيلة لتحول المجتمع

يمكن التأكيد على أن كل الجهود والمبادرات المعاصرة منذ القرن التاسع عشر والقرن العشرين ومنذ ثورات الاستقلال كانت من أجل تحديد مستقبل وطني يضمن التطور والنمو وعلى أساس دائم وهو المجتمع. أساس هذه الرؤيا هو أنه لاستكمال ظروف واحتمالات الحداثة يجب البناء على أساس المجتمع للتأثير على المجتمع نفسه. وهذا يعني أن الذي يجب حله وتعديله والتخطيط له والتحكم به وتنظيمه هو المجتمع نفسه. ان الدولة هي الطريقة المثلى للقيام بهذا العمل والمجتمع هو الهدف، لا يهم إذا كان ذلك من خلال إصلاحات أو ثورات، ولكن الدولة هي من تأخذ زمام[16] الأمور وفي قانونية الإدارات المؤسساتية للوصول إلى مجتمع قادر على تعديل ظروف العصر الجديد.

في بوليفيا تم البدء بمسيرة غي مسبوقة في هذا المنحنى الحديث لكي يكون بمثابة منصة تسمح بفتح إمكانيات وتصاميم لرؤيا متعددة حول الحياة، والحقوق والإمكانيات الإنتاجية المختلفة، لأن الجدال ليس حول المجتمع رغم أن ذلك هو موضوع هام وضروري، ولكن الدولة كعلاقة اجتماعية هي التي تربط قانونية ومؤسساتية وتعدد الاستراتيجيات واختلاف العمليات وهي التي ترتبط بمجتمع غير عادل ومختلف ومتعدد الثقافات. وهذا يعني أن المقصود بالعمل هو الدولة وهدف هذا العمل هو المجتمع، ومع صعوبة الحديث عن الوحدة، يكون ضروري جدا بناء اطار قانوني ومؤسساتي بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي وعلى أساس تعدد الثقافات[17].

الجدال حول المجلس التشريعي التأسيسي والدولة يعدل طريقتنا لاستشعار وفهم والمشاركة في كل ما له علاقة بالدولة. وهذا يعني أن التعريفات الثنائية الكلاسيكية: الدولة/المجتمع المدني، عام/خاص، التأميم/السوق، ليس لها فعاليتها لتحديد حجم العمليات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تمر بها دولنا، وخاصة القدرة على الإجابة واقتراح البدائل، وعليه فانه من الصعب والغريب جدا لهذه الرؤيا الحديثة أن تكون المطالب الرئيسية للتحركات الشعبية والهندية من تعدد القوميات والثقافات أساس لها، وحسب هؤلاء، فان هذه المطالب هي وطنية وتأميمية ومهدمة للأمة والدولة، وبالرغم من ذلك فان لا أحد يعارض تأميم صناعة النفط، ورغم الخلاف على الإدارة والتخطيط والتنفيذ فان لا احد يعارض تعديل وبشكل كبير الدور الحكومي في هذا القطاع الاستراتيجي، ورغم وجود سلطات المحافظات الذين يطالبون بتوزيع دخل النفط بصورة أفضل بين المحافظات.


4) الاستقلال: من تعدد الثقافات إلى تعدد القوميات

إن الجدل العميق حول الدولة مبني على ذاكرة وخبرة ونضال المؤسسات الهندية التي نسجت الاقتراحات لبدء مسيرة وضع الدستور الجديد، ومن هنا قوة وشدة مبادرتها وكذلك مقاومة وعنف معارضيها، وعليه فانه من الضروري جدا فهم عملية إعادة صياغة الدستور، وتحويل الدولة والتعددية بكل أصنافها وهذا يشكل رؤية مشتركة بهدف دحر الاستعمار "الاستقلال". أن الحديث عن دحر الاستعمار والاستقلال عندما انتهى الاستعمار رسميا بالحركة الاستقلالية سنة 1825 وتأسيس الجمهورية يبدو متناقض، لأن لا احد ينكر ظروف عدم المساواة والتمييز الموجودة في البلاد والتي ستصل الفروق فيها إلى قيم كبيرة جدا إذا استمر الوضع على حاله.

الاستقلال في مفهومه الأساسي يعني الأخذ بالحسبان بكل صفات ومميزات البلاد متعددة الثقافة واللغات، كما تم قبولها وتطبيقها في تعديل الدستور سنة 1994 وبعد 169 سنة من الجمهورية[18]. وبالرغم من ذلك فان شكل الدولة – الأمة والمبني عليه هذا الدستور كان يعمل بشكل أحادي الثقافة وأحادي اللغة وهو أسلوب ناجح في محتمعات القوة التقليدية. وعليه إنهاء الاستعمار هو البدء في فهم وممارسة حياة المجتمع المتعدد والمختلف ومختلف الأبعاد. ومن هنا القدرة على جعل الدولة والمجتمع ديمقراطيان، بحيث تفهم الديمقراطية بشكلها الأساسي وهي القدرة على امتلاك فرص متساوية وتسهيلات للجميع[19].

إنهاء الاستعمار على أساس هذه العملية من وضع الدستور الجديد الديمقراطي، يوجد له أثر مباشر على طريقة فهم النظام الاقتصادي العالمي وفي اللوجيستية الإقليمية والعالمية ويرتبط بشكل مباشر مع القدرة على فهم المحددات التاريخية والتي تؤدي إلى بناء المبادرة والقرار بتقرير المصير كدولة وكبلاد والتي هي مرتبطة ببعض[20].

ونتيجة لذلك نستطيع التأكيد على أن عملية وضع الدستور الجديد هي الانتقال من تعدد الثقافات إلى تعدد القوميات، لأنه يتم تفكيك الفكرة المبنية على أساس أن مفهوم واحد للثقافة يمكن أن يعتبر حوار ثقافات، وذلك لأنه وبالرغم من الاعتراف بوجود اختلافات ثقافية فان الحوار سيتم دائما من منطلق حضاري واحد وهذا يعني أن هذا الحوار لن يكون متساوي وسيكون هناك تمييز، إن الانتقال إلى مرحلة تعدد القوميات هو استعادة وتقوية الصفة المادية للثقافة واعتماد بشكل كامل أبعاد وإضافات كل ثقافة، والذي يجب البدء ببنائها وبناء الأسس القانونية والمؤسساتية والمدنية من خلال الدولة وذلك لكي تصب قدرتها وفعاليتها لصالح المجتمع. إن شكل الدولة متعددة القوميات هي الجواب لمواجهة آليات العولمة الاقتصادية وعولمة الصناعات، وذلك على أساس ذكريات وخبرات ودروس الشعوب الهندية الحمراء والتي تنص على الحفاظ على الحياة كونها القلوب المتعددة التي تغذي حياة مجتمعاتنا[21].

الشعوب الهندية الحمراء هذه الأيام هي اسم التعدد والاختلاف كما كانت الديمقراطية للشعوب المعاصرة، لأنه لا يوجد شعب هندي واحد يستطيع القول أنه يمثل كل الهنود وبالرغم من ذلك فانه من المعتقد أن كل شعب يلعب أو يمثل المصير المشترك لتلك الشعوب. وذلك لأن وجودها مشترك وبشكل دائم، وكذلك فان الاعتماد على هذا العامل المشترك ليس بالنظام الديمقراطي والأفضل للأشكال والمؤسسات الاجتماعية، ولكن قد تكون في هذه اللحظة الطريقة الوحيدة ذات أفق للمستقبل.


العيش أفضل

في عبارة العيش أفضل تم التركيز على القدرة على ربط وتجميع الأفكار والممارسات للبحث عن بناء المشروع المشترك. وبشكل خاص مقارنة تلك الأفكار والتي كان ينظر إليها كنماذج ووصفات للتطور والتقدم والتي تطبق متجاهلة القدرات والطاقات الموجودة في نقس المنطقة وطرقها الخاصة في التنظيم والتطوير. إن عبارة العيش أفضل هي اسم المبادرات والمقترحات التي تنبع مع الأخذ بالحسبان خصوصيات واحتياجات الشعوب المختلفة والتي تبحث عن حلول وخيارات محددة ضمن إطار مشترك.

العيش أفضل هي ضرورة السياسة العامة من وباتجاه المستفيدين المباشرين بحيث يتم إعادة اعتبار طرق الإدارة والمعاملة العامة، طرق التصميم والتنفيذ وتقييم البرامج ومنها مشاريع العمل والمسؤوليات. إن المؤثرين والأفعال المتعلقة بالسياسات يتم إثرائها وتقويتها من قبل المواطنين والمؤسسات المحلية والمجتمعية والثقافية، بحيث يتم البدء من تعدد أشكال الحياة للربط والتتكوين وهذا يعني إنتاج المشترك والذي يعطينا الحياة وهذا يسمح لنا بالعيش والحفاظ على الحياة، إن صنع الدولة من المجتمع والثقافة، صنع الدولة من الذين يتواجدون في الأسفل، والذين بشكل عام يتعرضون للتمييز والتهميش والأبعاد من دوائر القرار والسلطة. فكرة الحكومة والسلطة يتم تعديلها لأن الحكم وممارسة السلطة هي عملية مشتركة واجتماعية – مثل الشعار الزاباتيسا "الحكم ونحن مطيعون" وهذا عكس أشكال النظام والسلطة ذات البنية العمودية والسلطوية – يجب أن نحكم ونسيطر وننظم.

وعليه، يجب التفكير في عملية وضع الدستور الجديد وواجبات تحول الدولة وتعدد الثقافات في جميع المجالات وكأنها جزء من رؤيا ملتزمة بإنهاء الاستعمار والبحث عن الحياة الأفضل. ومن منطلق هذه الاعتبارات فان التحديات من أجل العمل على بناء سياسات الدولة وطرق الحكم ودور السلطات والمؤسسات والسياسات الاجتماعية والعامة والمشاركة والسيطرة الاجتماعية وشفافية الحكم وغيرها يوجد لها معنى ومغزى حاسم في المستقبل[22].


5) المسيرة ابتداءا من نقطة تداخل الثقافات

إن طرق الحياة الأفضل التي تم الحصول عليها من خلال العملية الدستورية، مع النضال والتحرك الشعبي منذ العام 2000 ومع الفوز الكبير في الانتخابات الذي حصل عليه أيفوموراليس سنة 2005. تبشر بوقت انتقالي للقيام بالتحويلات الضرورية في الدولة، واليوم نتمتع بإطار دستوري بعد أن تم اعتماد الدستور السياسي الجديد للدولة، وهنا يجب الإشارة إلى مجموعة من الواجبات الإلزامية للسير في الاتجاه الجديد للبناء فيما يتعلق بالحياة المشتركة للجميع.


المواطنة والحقوق

إن الشرط الأساسي للدفع باتجاه مواطنة كاملة في دولة ذات قوميات متعددة هو المساواة في الثقافات للشعوب والأمم التي تكون الدولة، وهذا يعني أنه على أساس الاختلاف السياسي والثقافي واللغوي الذي يتم تحديده في إطار قانوني يضمن تعدد الهيكليات والأشكال والتعابير وعلى ذلك فان المؤسساتية في الدولة يجب أن يتم تصميمها وإدارتها على أساس هذه القواعد التعددية.

إن المواطنة الكاملة هي المواطنة متعددة الثقافات والتي تحترم وتعترف وتشارك فيها كل الشعوب بثقافاتها وبكل خبراتها وذاكرتها في الدولة متعددة القوميات[23].

يتم إعادة التفكير في ماذا يفهم من إنتاج وعمل الوحدة على أساس التعدد في كل المناطق والثقافات واللغات وبهدف الوصول إلى شيء مشترك والعمل على ايحاد عالم مشترك.

ونتيجة لذلك، فان الفصل المتعلق بالحقوق في الدستور الجديد وبمقارنته مع الدساتير السابقة نلاحظ انه واسع ودقيق في الإشارة إلى اختلاف الحالات والأوضاع. فلا يتم جمع الحقوق المختلفة فقط من حقوق عامة وخاصة واجتماعية وإنما بالإضافة إلى ذلك تتسع بإضافة حقوق الشعوب الهندية كما يظهر ذلك جليا في إعلان حقوق الشعوب الهندية الحمراء والذي صادقت عليه الأمم المتحدة في شهر أيلول سنة [24]2007. ويضاف إلى ذلك الحقوق المتعلقة بالاحتياجات الأساسية من أجل الحياة والمياه والاتصالات، الخ. لأن هذا الإطار العام للمواطنة المتعددة الثقافات يجب أن يشمل الاعتراف بحقوق كل سكان البلاد وعلى أساس هذه الحقوق يتم توجيه عمل مؤسسات الدولة.


المؤسسات والسلطات

وهذا يعني إن عمل هذه المؤسسات يتم باستخدام اللغات التي تنتمي للتجمعات والمناطق التي توجد فيها، وهذا يعني الإجراءات والنماذج والعمليات تتم ملائمتها لسياسات الدولة ويجب أن تتم باللغة التي يتكلمها أهل تلك المناطق، وكذلك فان أشكال ومواصفات المؤسسات يجب أن تتلاءم مع التجمعات السكنية والمناطق التي تعمل بها.

إن أهمية حقوق المواطنين في الدولة متعددة القوميات تكمن في قدرة الشعوب والقوميات التي تشكل الدولة على تنفيذ وممارسة هذه الحقوق، وعليه يتم تطبيق مبادئ التعددية في كل مراحل الدولة وفي شكل الحكم.


العدالة والنظام القضائي

إن العدالة بمنظور المساواة والحرية والتمتع بكل حقوق المواطنة المتعددة الثقافات تقتضي عمل مستمر من القضاء الجماعي المتعدد، وهذا يعني الاعتراف بالحق الجديد في شمل التجارب اليومية للشعوب والقوميات المختلفة من هنود حمر وقطاعات شعبية تكون المجتمع في حركة معاصرة وحديثة[25].

يجب استيعاب أن العدالة تمارس وتطبق ولها سلطة في كل حالة خاصة، وعليه فهي ليست ماكينة أوتوماتيكية وعمياء بحيث ننفذ بحذافيرها ودون فهم وتفهم كل حالة بحد ذاتها ودون الحاجة إلى القضاء والمحامين والإجراءات والدفاع، وهي أمور إلزامية في القوانين والقواعد التي تطبق في كل حالة. ان قوة القانون هي في قدرته على تنفيذ العدالة لإصلاح الضرر أو الأذى الذي لحق بالآخرين، سواء أكان فرد أم مجموعة أو مؤسسة أو ارث ملموس أو غير ملموس. العدالة هي القدرة على إعادة ترتيب أشكال الحقوق ومدى تطبيقها وممارستها في الحياة الاجتماعية والعامة.


الاقتصاد والإنتاجية

لا شك في أهمية القاعدة المادية للإنتاج والعمل لتعريف صفات المجتمع وبالرغم من صعوبة وتعقيدات المجتمعات متعددة الثقافات والحضارات تقتضي تعريف وتحديد أو على الأقل تحديد هذه الإشكالية المتعلقة بالصعوبات والتعددية.

إن الاعتراف بوجود عدة نماذج اقتصادية في المجتمع البوليفي: نموذج الشركات الخاص والاشتراكي والتعاوني والعائلي والمجتمعي والحكومي، يقتضي ويستوجب معالجة وتخطيط عام ومتعدد[26].

وعليه فانه من الضروري تحديد ظروف متساوية ومتوازية في تطبيق هذا الاقتصاد والإنتاجية، وكذلك مراقبة والحفاظ على أشكال الاقتصاد المتكامل والمتبادل والتي تقاس على أساس الربح والفائدة. كذلك تحديد المصلحة العامة أو المشتركة والتي يجب أن تكون فوق التسويق أو الخصخصة للخدمات والمنتجات[27].



[1] راؤول برادا. ثورات الهنود الحمر. لاباز، كلاكشو / بغلة الشيطان / كومونا 8 ما، كذلك في موقع الانترنت www.biblioteca.clacso.edu.ar

[2] أنا استير سيسينسا، طرق العالم الذي يتسع لكل العالم، المكسيك، كلاكسو / القرن الحادي والعشرون 2008. محاولة من أجل تعميق الافادات للحركة الزاباتيستا في المصطلحات العالمية والجيوسياسية.

[3] ان الاضافات الأجدد للتفكير الجيوسياسي هي: أمير سادر. هي طريق اليسار اللاتيني الأمريكي سادياولد. بيوتمبو 2009 وبوتمبو 2009 وبوفنتورا لسوسا سانتوس. المعرفة من الجنوب. من أجل ثقافة سياسية معتقة، لاباز، كلاكسو / سيديس – أوما - / مطبعة جماعية 2008.

[4] الأخر هو أنا؟ في ذكرى الشعوب الهندية في كولومبيا، تحدي في الألفية الجديدة، بوغوتا أونيك / وزارة الزراعة والتطوير الريفي 1998.

[5] انظر: خورخي فيانيا، تعدد الثقافات كاداة للعتق، باتجاه إعادة تعريف تعدد الثقافات واستخداماته في الدولة، لا باز، الاجتماع الثالث. اندريس بيجو 2009.

[6] النموذج التعليمي في مدرسة واريساتا (1940-1931) هي اشارة مهمة للمشاريع المجتمعية للتكامل والترابط لمبادئ المشاركة والتكامل والوفاق والتضامن.

[7] تجميع لمقالات ومقترحات قبل انتخاب ايننمور اليستي والدعوة إلى مجلس تشريعي مؤسس، ربما تكون أوسع نشرة عن الحاجة وضرورة الدعوة إلى مجلس تأسيس المجلس التشريعي التأسيسي بوليفيا جديدة ممكنة. المقال الأول، مجلة النقاش الاجتماعي والقضائي. سنة التاسعة رقم 17، آذار 2005 بيخيس، سانتاكروز. الموقع الالكتروني www.cejis.org

[8] راؤول برادا. تحليل للدستور السياسي الجديد للدولة: نقد وعتق، المجلة اللاتينية الأمريكية للعلوم الاجتماعية. السنة 1، رقم 1. حزيران 2008. ص 35-50. كذلك في موقع الانترنت www.biblioteca.clacso.edu.ar

[9] انظر، راؤول برادا، أفق المجلس التشريعي التأسيسي. لاباز، مطبوعات جاتشا يواسي 2006.

[10] اقتراح من أجل الدستور الجديد للدولة "من أجل دولة متعددة القوميات ولتقرير المصير للشعوب الهندية الحمراء والسكان الأصليين والفلاحين" المجلس الوطني لمؤسسات الهنود الحمر، والسكان الأصليين والفلاحين والمستعمرين لبوليفيا، سوكري، 5 آب سنة 2006، كذلك www.repac.bo

[11] الحركة الاشتراكية – أداة سياسية لسيادة الشعوب. أسس عام 1995 وفي عام 1999 اخذ رمز MAS. والمسجل قانونيا للمشاركة كحزب سياسي في الانتخابات البلدية، إعادة تأسيس بوليفيا لحياة أفضل. اقتراح للمجلس التشريعي MASS-IPSP ، لاباز، سنة 2006، وكذلك www.repac.bo

[12] المجلس وعملية الدستور الجديد، تحليل لاقتراح من أجل وقت جديد، لاباز، ريباك 2007، كذلك www.repac.bo

[13] تحليل وتنظيم تقارير الأغلبية والأقلية إلى المجلس التشريعي، لاباز PNUD/REPAC ، كذلك www.repac.bo

[14] سيلفيا تشافيز ريجيس، كارلوس بوهارت ابراهولا واندريس توريز فيجا جومنيه جسور لحوار ديمقراطي، مشاريع دستور وقوانين: المطابقة واختلافات. لاباز 2008. وبعد ذلك كارلوس بوهارت وكارلوس الاركون وكارلوس روميرو. باتجاه دستور ديمقراطي، ميسرة وجماعته، ثلاث رؤيا، لاباز 2008.

[15] التصويت من اجل استمرار الرئيس ونائب الرئيس كان 64.41Y، انظر HTTP:WWW.CNE.ORG.BO

[16] كارلوس روميرو، كارلوس بورث وراؤول بينيارانادا. من الخلاف إلى الحوار. ذكريات من الاتفاق الدستوري، لاباز، 2009.

[17] امبريالية، تعدد، والمجتمع، محاضرات مع توني نيغري، لاباز / كومونا 2008، كذلك www.biblioteca.clacso.edu.ar

[18] التفكير، الدولة والمجتمع: التحديات المالية. محاضرات مع بوافنتورا لسوسا سانتوس، لاباز كومونا 2008. كذلك www.biblioteca.clacso.edu.ar، واكثر حداثة؟ لماذا كوبا قد تحولت إلى مشكلة صعبة لليسار 2009.

[19] فليكس باتسي، توضيح حول النظام العام جريدة لاباز 2009/9102، لاباته بوليفيا، Http://www.zarazon.com

[20] لويس تابيا: التفكير بشكل جيوسياسي حول الديمقراطية، لاباز، كلاكسو، كومونا.

[21] كاثرين والش، تعدد الثقافات، الدولة، المجتمع، النضال ضد الاستعمار في عصورنا، كيتو، جامعة اندينا سيمون بوليفار، 2009.

[22] وزارة التخطيط وتطوير جمهورية بوليفيا، الخطة الوطنية للتطوير، بوليفيا حرة ونتيجة وديمقراطية للعيش الأفضل. المحددات الإستراتيجية 2006-2011، لاباز 2006. كذلك في الموقع الالكتروني www.planificacion.gov.bo وهذا امقال يتناول العيش الأفضل، وهذا شيء ممتع أن تكون هناك قراءة موازية للدستور الجديد.

[23] فاريت روخاس توديلا. حقوق الإنسان والمجلس التشريعي التأسيسي الوصول إلى السماء. لاباز، 2007 النسخة كذلك في موقع www.defensordelpue.bo

[24] بوليفيا هي الدولة الأولى في العالم في المصادقة ووضع هذا الاعلان في الدستور انظر إلى موقع www.un.org/esa/socdev/unpri/es/drip.html

[25] البرتو نوجيرافيرنانديز، دستور متعدد القومياتن والعدالة في بوليفيا، لاباز 2008، عمل يتعلق في تحليل الحقوق الكلاسيكية وتحليل للاضافات التي اضافتها العدالة المتعددة والذي يشكل جزء من قدرة المجتمعات على الحرية وطرق انهاء الاستعمار من تمييز وسيطرة لتشكيل إطار قانوني ومؤسساتي جديد.

[26] الفارو غارسيا ليزا، "نموذج اقتصادي جديد ومنتج" في مجلة تحليل ومراجعات حول الدستور الجديد، رقم 2 لاباز، نائب رئيس الجمهورية / رئاسة الكونغرس الوطني 2008. كذلك في موقع الانترنت: www.vicepresidencia.gob.bo

[27] تريسيا موراليس اوليفرا، الفريدو سيرانو والبرتو مونتيرو. التنظيم الاقتصادي للدولة في الدستور الجديد للدولة، لاباز، 2008.

أزمة السيطرة على نظام الحكم في أمريكا اللاتينية

ورقة مقدمه من: امير سادر
امريكا اللاتينية – البرازيل
حزيران / 2009

أزمة السيطرة على نظام الحكم في أمريكا اللاتينية

بعد أن كانت القارة التي ولدت فيها الليبرالية الجديدة، في تشيلي بواسطة بينوشيتا وفي بوليفيا بواسطة بازارنستو وبعد أن تم تعميم هذا النموذج على كل القارة تقريباً بحيث شمل ذلك قوى وطنية واشتراكية ديمقراطية بحيث تم إنتاج قارة ليبرالية جديدة، إلا أن المنطقة قد تحولت بعد سنوات قليلة إلى المنطقة الأكثر مقاومة لليبرالية الجديدة في العالم: ففي فترة رئاسته الأولى لم يستقبل احد في أمريكا اللاتينية الرئيس السابق كلينتون إلا في المكسيك ورغم انه تم في تلك الفترة توقيع معاهدة التجارة الحرة، والآن عندما يزور الرئيس بوش أمريكا اللاتينية لا يجد من يستقبله، فكل دولة تشكل بؤرة مشاكل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وذلك لأنه ومع مرور الوقت تزداد الحكومات التي تتحرك بشكل أو بأخر خارج مظلة السيطرة الأمريكية في واشنطن .
أن صفة هذا العصر هي عدم الاستقرار وعدم ثبات الحكومات الليبرالية الجديدة أو البديلة، ويشبه ذلك رغبة القديم في البقاء في وسط الجديد، بينما أن الجديد يجد صعوبات للولادة. وكذلك عندما لا يستطيع الموجودون في القمة الحكم كما في السابق والموجودون في الأسفل لا يريدون أن يستمروا محكومين من أولئك الموجودون في القمة ولكنهم لا يملكون القدرة الكافية لحكم أنفسهم ولا يملكون البدائل الخاصة بهم. أن هذا يشكل أزمة وجهة سياسية بل هو أكثر من ذلك أزمة السيطرة على طريقة الحكم، بحيث لا يستطيع محور الحكم السابق ترسيخ قواعده والاستمرار في الحكم بينما أن البدائل لا تستطيع لحد الآن إيجاد وتثبيت قواعد الدعم الخاصة بها.
في هذا السياق نتحدث عن أزمة نظام الحكم التي تؤثر على شعوب أمريكا اللاتينية، وهذا يشكل الأساس الأخير لعدم الاستقرار بحيث تتشكل حكومات وبعدها حكومات أخرى في دول مثل الإكوادور وبوليفيا والأرجنتين وفي فترات زمنية قصيرة وأمثلة الحكم في فنزويلا وبوليفيا تمثل مادة دسمه للتعلم حول طرق وصعوبات الحكم التي تواجها.

مع ظهور حكومات لولا في البرازيل وتاباري فاسكيز في الاوروغواي فان أزمة السيطرة على نظام الحكم التي تواجها شعوب أمريكا اللاتينية منذ انتهاء الليبرالية الجديدة تصل إلى اليسار فالحكومات التي تم انتخابها على أساس معارضتها للسياسات الليبرالية الجديدة والتي كانت تشكل تاريخياً اليسار في بلادها تنتصر وتهزم الأحزاب التي تمارس السياسات الليبرالية الجديدة، ولكن هذه الحكومات لا تخرج من محور هذا النموذج من السياسات. ففي الأرجنتين وبالرغم من المبادرات الشجاعة للرئيس نوربيرتو كيرشز مثل إعادة هيكلة الديون الخارجية ومعارضته لرفع أسعار الوقود فان حكومة الرئيس كيرشز لا تطبق سياسة اقتصادية مختلفة عن النموذج الليبرالي الجديد. وكذلك فان التحركات في الشارع تشكل جزء من هذه الأزمة وذلك لمحاولة تبديل القوى السياسية بتحركات اجتماعية كما حصل في الإكوادور، حيث أن التحركات الشعبية أسقطت الحكومات التي تطبق سياسات غير شعبية ووصلت إلى القصر الرئاسي وشكلت الحكومات في أكثر من مرة وبعدها تشعر هذه التحركات الشعبية إنها تعرضت لخيانة وتعود إلى المعارضة. وكذلك مشاكل الانقسام في الحركات الهندية الحمراء ومعضلة الانضمام إلى الطرق المؤسساتية بحيث يتم ربط هذه الحركات الاجتماعية مع القوى السياسية أو الانضمام إلى بدائل ضد المؤسساتية وذلك مثل استخدام المشاكل التي تواجه الهنود الحمر في تشياباس وثورة الزاباتيستاس وتعميم هذا النموذج على كل الشعب المكسيكي حيث الحاجة الى عمل سياسي على مستوى الوطن والى نظام جديد والى الحاجة الملحة لتشكيل نظام متجانس بديل وعلى مستوى كل الوطن. وهذا يعتبر بمثابة محاولة أخرى لملئ الفراغ الناتج عن أزمة نظام الحكم في القارة .
أن نموذج نظام الحكم في الرأسمالية المعاصرة هو الليبرالية الجديدة، فاليسار يتجه إلى مقاومة ومعارضة الليبرالية الجديدة فمن الضروري لكي يصبح الإنسان يساري أن يكون قبل كل شيء ضد الليبرالية الجديدة بالإضافة إلى كونه ضد مبادئ وأسس الليبرالية الجديدة والرأسمالية وطرق ما بعد الليبرالية الجديدة، فلم يكن وليد الصدفة أن حدد المؤتمر الاجتماعي العالمي بكل قواه المتعددة معارضة الليبرالية الجديدة كعامل موحد أساسي له .
إن النموذج الليبرالي الجديد شجع على تحكم رؤوس الأموال في كل المجتمعات اللاتينية الأمريكية، فقد تم تطبيق مسيرة رأسماله دولنا بحيث شمل ذلك كل مجالات الحياة وحتى الدولة، بحيث تم إضعاف دور الدولة في التمويل والسيطرة وتضاعفت البطالة واستغلال العمال بكل الطرق.
وكذلك تم إيجاد تغيرات جذرية في موازين القوى بين فئات الشعب وذلك لصالح رؤوس الأموال المحلية والعالمية ضد طبقة العمال والكادحين، فقد جدد اليمين قيمه وقواه وطرق عمله بحيث شكل انفراد بالسلطة لم يكن له مثيل في السابق .

إن رأسمال المادي لا يستطيع بناء القواعد الاجتماعية الداعمة لشرعية وجودة في السلطة، فهو لا يخلق فرص عمل ولكن بالعكس من ذلك يعمل على إلغاء فرص عمل قائمة، ولا يوزع الأموال بشكل عادل بل على العكس من ذلك يجمع الأموال في أيد فئة قليلة، ولا يدعم الحقوق الاجتماعية بل على العكس من ذلك يضعفها. إن الرأسمالية تجعل من التجار الصغار والوسط ضحايا لها، فالقواعد المادية لمسيرتها في إعادة الإنتاج تسمح في أحسن الأحوال بجرف قطاعات رأس المال الكبير باتجاه الاستغلال والاستهلاك الكبير.
كيف يجد هذا النموذج قاعدة دعم له؟ في المكان الأول باستخدام الدعم المرتبط برأس المال الكبير والذي يشارك بشكل جزئي أو كامل عملية تجميع رؤوس الأموال للطبقات الشعبية بحيث يصعب عليها تكوين قوى اجتماعية وسياسية، وكذلك تتمتع بدعم الديكتاتوريات الأيديولوجية لوسائل الإعلام الخاصة، حيث يلعب التلفاز دور حاسم في هذا المجال.

وعلى ذلك نجد أنه يوجد دعم ثلاثي لهذا النموذج: بالطبقات المنتفعة اقتصاديا والدعم الإعلامي لوسائل الإعلام الخاصة والمحتكرة لهذا القطاع وأخيرا تقسيم وتجزئة الطبقات المرتبطة بعالم العمل.
وعليه فان نظام السلطة هذا يؤسس على قاعدة تجزئة المجتمع وفي الوسائل الأيديولوجية حيث يجد الدعم الكبير في هذين العنصرين.
في دائرة تطبيق هذا النظام المالي حصل العالم على نجاحات اقتصادية سريعة، وامتلك زمام المبادرة باستخدام خطط إصلاحية مستفيد من عدم الانتظام الاقتصادي لنقل التضخم وتحويله إلى عجز كبير جدا في ميزان الحكومات، مما أوصل الدول الأمريكية اللاتينية إلى حد الإفلاس وزاد من اعتماد هذه الدول على المؤسسات المالية الدولية.
إن محاور هذا النموذج الاقتصادي تكمن في استقرار العملة بعد موجة التضخم الخارجة عن السيطرة، وكذلك في دعم الفئات المسيطرة من كبار رجال الأعمال والمؤسسات المالية والتجارية الدولية وكذلك دعم وسائل الإعلام الخاصة لهذا النموذج. وكذلك يعتمد على بعض الأطراف من اليسار التقليدي وكذلك على تجزئة المجتمع بطبقاته الشعبية عن طريق البطالة والتوظيف وظروف العمل السيئة.
وبالرغم مما ذكر سابقا ومن موجة الغبطة التي شعر بها إتباع هذا النموذج في أواسط التسعينيات، مستفيدين من انتهاء الدور الاشتراكي ومن تعاظم دور الاقتصاد الأمريكي لفترة قصيرة وعلى أساس الأوهام بإيجاد اقتصاد جديد، فان استمرار الأزمة أدى إلى نهاية هذا النموذج. في المكان الأول الأزمة المكسيكية عم 1994، وبعد ذلك الأزمة البرازيلية عام 1999 والأزمة الأرجنتينية عام 2001. وهذا يوضح أن أكبر ثلاث اقتصاديات في القارة تعرضت للأزمة بسبب تطبيق النموذج الجديد، وذلك بعد أن تم اعتبار المكسيك نموذج للنجاح من قبل المؤسسات العالمية وبعد أن اعتبرت الأرجنتين نموذج معبر عن الليبرالية الجديدة في القارة.

عدة حكومات – أكثر من عشرة – تم استبدالها في السنوات الأخيرة في أمريكا اللاتينية والكاريبي – في دول مختلفة مثل الأرجنتين والأكوادور وبوليفيا والبيرو وذلك يشكل دليل على انتهاء النموذج الليبرالي الجديد وهذه الحكومات هي حكومات وعدت بالخروج من هذا النموذج ولكن لم تقم بذلك أو استمرت في تطبيقه. فكل هذه الحكومات تفقد شرعيتها بسرعة كبيرة وتتعرض لضغط التحركات الشعبية حتى تصل إلى الاستقالة.
إن هذه الأزمات أدت إلى انتهاء هذا النموذج بالرغم من اعتماده على قواعد اجتماعية محددة ومحصورة لأن نظام سلطة رأس المال لا يبني قواعد اجتماعية واسعة لتمرير شرعية معتمد عليها. وعلى العكس من ذلك فان النموذج الاقتصادي الذي يبنى على أساس رأس المال واستغلال الاستهلاك الخاص بالطبقات العليا من السوق ولا يشترط توزيع الدخل ويحاول زيادة قدرات الاستهلاك للطبقات الشعبية والوسطى لن تكون له قواعد شعبية.

بهذه الطريقة تكونت أزمة السيطرة على نظام السلطة في أمريكا اللاتينية، بحيث يكون هناك نزاع بين الجديد والقديم، بين نموذج استنفذ ويحاول البقاء وبين عالم جديد لم يجد حتى الآن طرق وجود للحلول مكان ذلك النظام القديم والمنتهي. وعليه فان أمريكا اللاتينية قد تحولت إلى منطقة عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الأولى في العالم، وذلك كما يظهر جليا في سقوط عشرة حكومات في السنوات الأخيرة، ولم يسقط أي منها بسبب انقلاب عسكري ولكن كلها لفقدانها شرعيتها الاجتماعية وبسبب ضغوطات التحركات الشعبية في إطار القانون المعمول به.
إن اليسار التقليدي في أمريكا اللاتينية قد انقسم بالنسبة للنموذج الليبرالي الجديد في البداية عندما كانت زمام الأمور في أيدي اليمين وحتى أقصى اليمين كما في مثال بينوشيت، فان اليسار أعلن معارضته لهذا النموذج. ولكن من اللحظة التي اعتمدت الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية من خلال الأحزاب الاشتراكية في فرنسا واسبانيا هذا النموذج وكما أكد على ذلك إعلان واشنطن، فان اليسار الأمريكي وخاصة الجهات الوطنية والاجتماعية الديمقراطية اعتمدت هذا النموذج.
إن هذه العملية ابتدأت مع تطبيق كل من كارلوس منعم وكارلوس اندريس بيريز وسالينا سدي جورتاري لهذا النموذج. إن الاشتراكيين التشيليين والمتحالفين مع الديمقراطيين المسيحيين والذين خلفوا بينوشيت في الحكم استمروا في تطبيق النموذج الموروث. وكان أتباع حكومة فيرناندو هنريكي كاردوسو في البرازيل لهذا النموذج استكمال لهذه العملية، وهكذا اتفقت كل الأحزاب السياسية وبالإجماع على هذا النموذج الليبرالي الجديد.

ولكن فوز لولا في البرازيل وتاباري فاسكيز في الأوروغواي أنهى دائرة الانضمام لهذا النموذج، وذلك من قبل قوتين كانتا تلعبان دورا أساسيا في مقاومة هذا النموذج الليبرالي الجديد في العقود السابقة. ومع ذلك، فان أمريكا اللاتينية كانت المنطقة الأكثر تطبيقا للنموذج الليبرالي الجديد في العالم. ومع بعض الاستثناءات مثل كوبا وفنزويلا، يمكننا القول أن هذا النموذج انتشر على عرض وطول القارة، بحيث أصبحت أمريكا اللاتينية مختبر تجارب للنموذج الليبرالي الجديد في البداية وبعدها أصبحت منطقة مميزة باستخدام هذا النموذج.

إن اليسار الذي كان موجودا في أمريكا اللاتينية حتى ذلك الوقت اثبت أنه لم يكن مهيأ لوضع مشاريع بديلة للنموذج الليبرالي الجديد أو لم يكن مهيأ لوضع مشاريع بديلة للنموذج الليبرالي الجديد أو لم يكن يمتلك القوة الكافية لتطبيق هذه البدائل. الاستثناءات كانت في حكومات مثل كوبا وفنزويلا والآن بوليفيا مع احتفاظ كل منها بخصوصياته. فالحكومة الكوبية هي نتاج لمسيرة ثورية حطمت قواعد النظام الرأسمالي والامبريالية في تلك الدولة. أما الحكومة البوليفارية في فنزويلا فقد اعتمدت على عاملين خاصين – الثروات الطبيعية ودعم القوات المسلحة. وكذلك فانه لم يتم في فنزويلا اعتماد النموذج الليبرالي الجديد بالرغم من المحاولات الفاشلة لذلك من قبل حكومات كارلوس اندريس بيريز ورفائيل كالديرا. ان الحكومة البوليفية لايفو موراليس هي الأولى في ارث مجتمع عانى كثيرا من النموذج الليبرالي الجديد والذي يحاول وبشكل صريح تجاوز هذا النموذج.
لمعرفة المشاكل التي كان يواجهها اليسار في الفترة التاريخية المسيطر عليها من قبل نظام السلطة الامبريالي والأمريكي والنموذج الليبرالي الجديد يجب التأكيد على أن نضال اليسار يجب أن ينصب ليواجه سيطرة هذا النموذج.
ويشكل هذان المحورين الرئيسين للسلطة المسيطرة في عالم اليوم وهما قوة المال وقوة السلاح وقوة وسائل الإعلام. فأي مشروع حكم بديل يجب أن يأخذ بالاعتبار هذين المحورين، يمكن القول بأن الحكومة البرازيلية تطبق المحور الثاني في سياستها الخارجية، وبالرغم من وجود مشاكل حتى الآن، ومنها الموقف من هايتي الذي يعتبر الأكثر خطورة. وليس كذلك ما هو متعلق بالمشروع التجاري الذي يتصف به النموذج الليبرالي الجديد ودون الخوض في تحليل إمكانية إعادة هذه النماذج في دول أمريكا اللاتينية نحاول إيجاد الأسباب التي أدت إلى وجود اليسار الأمريكي اللاتيني في الوضع المذكور سلفا والتي تمثل نضال اليسار الأمريكي اللاتيني ضد الليبرالية الجديدة.

تحول قوى وطنية واجتماعية ديمقراطية إلى النموذج الليبرالي الجديد وكذلك الصعوبات التي تواجهها حكومات الجبهة الموسعة تمثل ظاهرة كبيرة يجب تشخيصها على أنها "خيانة" أو ما شابه ذلك. يجب مواجهة هذا الفصل من تاريخ اليسار الأمريكي اللاتيني في إطار المتغيرات الكبيرة في علاقة القوى المتهاوية في العالم في العقود الأخيرة.
لا نتحدث هنا عن أي تغييرات، فقد كان في المكان الأول إغلاق الجريدة التاريخية التي افتتحت في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعادل القوى بين الرأسمالية والاشتراكية. ومع اعتبار أن التقدم في مقاومة الامبريالية والرأسمالية في العقود السابقة قد زاد من هذا الاستقطاب في وقت كانت فيه قوى اليسار في موقع دفاع. وذلك بعد نفاذ المد للانتصار البولشفيكي ومع الاستقرار السياسي في أوروبا وعزل الاتحاد السوفيتي واتبع ذلك بصعود الفاشية إلى الحكم في أوروبا وتحول اليسار إلى موقع دفاعي كما يبدو ذلك في الجبهات الشعبية ضد الفاشية.
إن هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية وتشكيل الحلف الاشتراكي قي أوروبا الشرقية وانتصار الثورة الصينية وعمليات الاستقلال في أسيا وإفريقيا أنتجت حقل مواجهة بين الاشتراكية والرأسمالية وميزان قوى جديد والتوازن بين القوتين العظيمتين. إن تشكيل محور العالم الثالث كان كذلك بمثابة بوادر مستقبلية لصالح مقاومة الامبريالية والرأسمالية.

إن هذه الحقبة التاريخية لموازين القوى السائدة فيها تم إنهاؤها بعد التفكك الذاتي للمعسكر الاشتراكي وكل أثارة السياسية والأيديولوجية، وتحول العالم إلى أحادي القطب تحت تأثير هجوم جديد سياسي وأيديولوجي وعسكري أمريكي.
من نتائج ذلك وكذلك من نتائج الرأسمالية من مفهومها التقليدي إلى الليبرالي الجديد هو إضعاف الأحزاب الشيوعية واعتماد الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية للنموذج الليبرالي الجديد وكسر وحدة اليسار وكذلك ضعف الدول وعدم مقدرتها على تطبيق سياسات تطوير وانعدام الحقوق الاجتماعية للقسم الأكبر من السكان.
يجب أن نضيف إلى الأمور التي ذكرت انتصار النموذج الليبرالي الجديد على المستوى العالمي، ومع نتائج مباشرة في كل دولة، بحيث شمل ذلك التأثير على الطابع الأيديولوجي لليسار نفسه. إن توازن القوى بين الرأسمالية والاشتراكية ظهرت وجهتا نظر حول التناقض الرئيس بينهما على المستوى العالمي، فالمعسكر الاشتراكي كان يركز على التناقض بين مصلحة الشعوب والرأسمالية، أما بالنسبة للمعسكر الرأسمالي فان التناقض كان بين الديمقراطية والدكتاتورية.

إن انتصار المعسكر الرأسمالي مثل كذلك انتصار تفكير وترجمة للأمور، بحيث أصبح القرن العشرون يمثل انتصار الديمقراطية على الديكتاتورية مثل ما كان في النازية والفاشية وبعدها الشيوعية ( مع اعتبار الحركات الوطنية والإسلامية كأشكال لذلك). وانتصرت كذلك فكرة الربط بين الديمقراطية والليبرالية، وخاصة لسيطرتها السياسية والأيديولوجية.

جانب أخر لسيطرة الأيديولوجية الليبرالية الجديدة هو الربط بين فشل النموذج السوفيتي والأزمة الحكومية للدول وذلك لانتقاص دور الدولة. وبالنسبة للأيديولوجيين الكبار لهذا النموذج فان هذا يؤكد على دور السوق الخاص وليس العام وهذا الأخير يجب أن يخصخص. بحيث يحاولون وضع المجتمع المدني ضد الدولة، إن هذه التعريفات تتعلق بمحورين مختلفين، الأول يتعلق بالسوق والتسويق والقوى التي تسيطر في السوق، والأخرى تتعلق بالمؤسسات الأهلية الغير حكومية أو ما يسمى القطاع الثالث.
إن اليسار الأمريكي اللاتيني لم يبقى بعيد عن هذه التأثيرات، بحيث ربط بين تعريف الديمقراطية والديمقراطية الليبرالية، قبل بمبدأ الأزمة المالية الحكومية كإشارة على نفاذ دور الدولة كعامل سياسي واقتصادي واجتماعي مؤثر وأصبحت تمثل تناقض مع المجتمع المدني وتعريفاته من مواطنة واستهلاك وشبكات الخ. وهذه الرؤيا تقبل بمبدأ فقدان العمل لدورة المركزي وذلك باستبدال التعريفات المتمركزة في الاختلافات بين الطبقات إلى نظرية الاستثناء الاجتماعي.

إن التجديد المتمثل في حكومات لولا وتاباري فاسكيز يعتبر خطوة جديدة وذلك بتطبيق الليبرالية الجديدة من قبل القوى اليسارية وذلك عن طريق تطبيق سياسات اقتصادية ليبرالية، الحكومة البرازيلية في البداية حافظت على السياسة الموروثة من الرئيس السابق كاردوسو وذلك منعا لاحتمال عدم استقرار الاقتصاد في المرحلة الانتقالية للحكومة الجديدة، وحتى أن ذلك شمل سياسة مالية حكومية أكثر صرامة من المتبع من الحكومة السابقة، ولكن سريعا أصبحت هذه السياسة هي الطريقة الدائمة المتبعة من هذه الحكومة الجديدة، أما حكومة تاباري فقد اختارت وزير مالية محافظ من الجبهة الموسعة وهو دانيلو استوري وطبقت النظام الموروث والذي يشجع على الضبط الحكومي للمصاريف ويحاول الحفاظ على استقرار العملة أكثر من اهتمامه بالأشكال الاجتماعية.
إن الأثر الأساسي للسياسات الليبرالية الجديدة هو تحديد وتراجع الحقوق الاجتماعية لأغلبية السكان وكذلك فان السياسات الاقتصادية تتعارض مع احتمالات تقديم الأهداف الاجتماعية. وهذا يعني عدم الخروج من النموذج الليبرالي الجديد وعدم تطبيق سياسات تهدف إلى زيادة الحقوق الاجتماعية والحفاظ عليها.
بعد أن أنقسم اليسار اللاتيني الأمريكي بالنسبة لليبرالية الجديدة وحتى أن بعض قواه طبقت هذه السياسات مع بقاء بعض منها في المعارضة لهذا النموذج، حيث أن بعض هذه القوى اليسارية عندما وصلت إلى الحكم كما هو الحال في البرازيل والأوروغواي اعتمدت هذا النموذج الاقتصادي، وهذا يبرهن على أن اليسار الأمريكي اللاتيني يعيش أزمة حقيقية وهي أزمة هوية أيديولوجية ومشروع سياسي وقواعد اجتماعية.

هوية أيديولوجية، لأن الأحزاب اليسارية والتي وصلت إلى الحكم لم تنهي النموذج الليبرالي الجديد ولا قيمه. فهذه الأحزاب لم تظهر صلابة أيديولوجية لوضع سياسات ذات قيم مختلفة أو معاكسة لقيم الليبرالية الجديدة، انه من المؤكد بأن تأثير الليبرالية الجديدة قد أسهم في أضعاف قوى اليسار عندما تخلت هذه القوى عن معارضتها للسياسات الرأسمالية وكذلك تخليها عن حقوق العمال والطبقات الاجتماعية وعمليات تكديس الأموال والتحالفات الاجتماعية، كذلك فقد تأثرت هذه القوى بفكرة أزمة الدولة والحاجة إلى ضبط للسياسة المالية الحكومية للحفاظ على استقرار العملة للوصول إلى تنمية اقتصادية مستدامة.

عند تحجيم الدولة وتحديد تمويلها في المجال الاقتصادي وعند إضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرارات بسبب الانفتاح الاقتصادي وعدم الانضباط وبسبب لعب وسائل الإعلام لدور هام في تحديد الإجماع الأيديولوجي فأننا نتحدث عن النموذج الليبرالي الجديد.

كل ذلك يوضح قبول وجهة نظر الليبرالية الجديدة حول أزمة الدولة وما يتبع ذلك من ضبط السياسات المالية الحكومية واستقرار العملة. وبهذا الشكل يتم الابتعاد عن الحاجة إلى إصلاح النظام الضريبي وتوزيع الدخل لتمويل السياسات العامة. لأن التركيز على أهداف بخصوص العملة واستقرارها يجعل من الضروري التنازل عن السياسات الاقتصادية التي تسعى إلى إعادة توزيع الدخل، وعليه وبسبب الديون العامة يصبح الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية أمر لا بد منه وما يتبع ذلك من شروط تضعها هذه المؤسسات الدولية.
وبشكل خاص نلاحظ غياب الأفكار اليسارية المتعلقة بتعميم الحقوق الاجتماعية والإصلاح الديمقراطي للدولة المبني على الأساس الاجتماعي. إذا كانت الليبرالية الجديدة تهدف إلى تحديد الأقطاب من حكومي وخاص فان اليسار يجب أن يحافظ على الهدف الاجتماعي لسياستة وذلك من خلال مبدأ العام مقابل التجاري، فهذا هو الجدول الذي يحدد التحرك المعروف باسم ما بعد الليبرالية الجديدة.
إن القوى اليسارية التقليدية أثبتت حتى ألان أنها قادرة على الخروج من هذا النموذج، بحيث لم يتم حل أي من المشاكل الكبار للقارة والتي زادت مع تطبيق هذا النموذج الليبرالي الجديد. فعندما تعرف معسكر اليسار في هذه الحقبة التاريخية المعاصرة على أنه تجمع كل القوى المضادة لليبرالية الجديدة ولسلطة النظام الرأسمالي.
وعليه هندما لا ينهي أي حزب أو قوة سياسية محسوبة على اليسار سياسة الليبرالية الجديدة عند وصوله للحكم، فان هذا الحزب يعتبر خارجا عن مبادئ اليسار، لأن ذلك يعتبر تطبيق للسياسة الاقتصادية والأيديولوجية لليبرالية الجديدة والتأكيد على هيمنتها على السلطة بدل من محاربتها والعمل على مساءلتها واستبدالها.
إن الذي يمكن أن نسميه أزمة السيطرة على السلطة في اليسار اللاتيني الأمريكي ولربما ينطبق ذلك على مناطق أخرى في العالم، يتميز بعدة مظاهر رئيسية:-
‌أ. الغياب الفعلي لقوى سياسية تقوم بقيادة العمل على بناء مشروع جديد ومعسكر ما بعد الليبرالية الجديدة.
‌ب. إضعاف القواعد الاجتماعية التقليدية لليسار مثل الحركات النقابية وعمال القطاع العام والمثقفين من الطبقات الشعبية، وهذا يؤدي إلى تجزئة وإضعاف لعالم العمل.
‌ج. سيطرة الأفكار الليبرالية في معسكر اليسار، وذلك من خلال التعريف الأوتوماتيكي للديمقراطية حسب الديمقراطية الليبرالية، وفي غياب مساءلة الرأسمالية، وفي قبول نماذج اقتصادية مبنية على أساس تجاري، وفي استبدال السياسات العامة والموحدة بالسياسات المركزة، وفي تراجع دور الدولة بسبب أهمية سياسات التحكم في الاقتصاد العام.

ان بناء مشروع سلطة لما بعد الليبرالية الجدية يحتاج قبل أي شيء إلى تحليل للتغييرات الحاصلة في عقود تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة:-
‌أ. قبل أي شيء اكتشاف الجغرافيا الجديدة لقوة العمل بكل صفاتها وخاصة لكل أولئك الذين يحاولون البقاء في عدة مجالات غير رسمية من المجتمع، بدون ذلك ستبقى قوة العمل تختص بالعمل الرسمي والنقابات، بدون إعادة البناء هذه لن يتم كسر عزلة اليسار عن قواه السياسية والحركات الشعبية.
‌ب. يجب تحديد طبيعة الحقبة التاريخية التي مثلت سيطرة النموذج الليبرالي الجديد بكل وضوح وتحديد عناصر القوة وعناصر الضعف فيها، وهذا يقتضي فهم القدرة على السيطرة على الحكم لليبرالية الجديدة والذي يتمثل بشكل خاص في التأثير الأيديولوجي، ابتداء من المفتاح الأمريكي للحياة والذي يشغل عقول الناس في كل دول العالم من كل الأعمار والأجناس والأديان.
‌ج. يجب بناء القوة الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية والتنظيمية لكي يتم بناء هذا البديل ما بعد الليبرالية الجديدة.
إن قائمة المتطلبات يمكن أن تكون أطول من ذلك، ولكي نستطيع تلخيصها بالقول أن هدفين أساسيين يجب تطبيقهما لأي قوة يسار في الوقت الحالي:- الأول انه دون نظرية ثورية لا توجد ممارسة ثورية. والثاني في المجتمعات الراقية فان الأيديولوجية المسيطرة هي أيديولوجية الطبقات المسيطرة.

إن هذه الأمور هي مبادئ لأنها موجودة بشكل عميق في الواقع، بالرغم من أننا أحيانا نحاول تجاهلها، إلا أنها تظهر أمامنا كأساسيات النضال ضد المجتمعات الرأسمالية وكنقطة انطلاق لأي ممارسة اجتماعية تهدف إلى إحداث تغيير في الواقع. فالهدف الأول يتحدث عن فكرة أن الممارسة تصحح الأخطاء النظرية وأنه لا بد من تفسير وتحليل تعقيدات الحياة من أجل تحويل النظرية إلى البرامج والاستراتيجيات والتكتيكات ولكي لا تؤدي إلى فشل قوى اليسار في الصمود أمام هذه الضغوط.

الهدف الثاني يمثل في الحاجة إلى بناء مشاريع بديلة، لكي لا نسهل على الاتجاه السائد حاليا وهو القبول بالسياسات الموجودة والمؤسساتية الموجودة وعلى الإجماع المفبرك من قبل وسائل الإعلام الخاصة. وهي تمثل معرفة قوة السيطرة الليبرالية في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مثل ما يتم الترويج له على تقليد قيم الحياة على الطريقة الأمريكية والذي يخترق كل طبقات المجتمع.

بشكل أساسي نتعامل مع معرفة الواجب الملقى علينا في المستقبل: وهو إيجاد مشروع ما بعد الليبرالية الجديدة وبناء القوة الاجتماعية والسياسية والثقافية والأخلاقية القادرة على تحويل هذا المشروع إلى واقع.

Conference Paper: The New Anti-Capitalist Party, a promising birth

Guillaume Liégard*

On February 5, the Revolutionary Communist League (LCR) politically dissolved itself and the founding congress of the New Anti-capitalist Party (NPA) took place immediately afterwards, over the next three days. At the moment of its founding, the new party had 9,123 members, spread over 467 local branches throughout Metropolitan France. Approximately 5,900 members took part in the various local congresses which prepared the national congress, a sign of the active character of the new party. To complete the picture, it as should be mentioned that there exist equivalents of the NPA outside Metropolitan France, in particular on the island of Reunion and in the French West Indies.

The founding of the new party was an event both in France and for very many anti-capitalists across the world. All those who were afraid that it would just be the LCR under another name were proved wrong by the congress of the NPA. We really are seeing a change of nature and of scale, but the NPA is also the continuation in other forms of the same combat for the emancipation of humanity.


A project that was the fruit of long preparation

It is not superfluous to re-examine here the reasons which resulted in launching the process of building a new party and doing something that is not so common, by dissolving an organization, the LCR, with forty years of existence and which, in terms of its accumulated political capital, its membership, its political, social and electoral audience, had never been in such good shape.

Fundamentally, it was the imbalance between, on the one hand, the political situation, the scale of the class struggle in France, including its expression on the electoral terrain, and on the other hand the weakness of the organisational reality of the anti-capitalist and revolutionary Left, which led us to take such an initiative. It was a question of starting to readjust this imbalance and at the same time offering a political perspective on a clear orientation that measures up to the upheavals taking place.

Without going too far back, since 2002, practically every year we have had the concrete expression of a deep-seated rejection of capitalist policies, and manifestations, diffuse though they were, of the search for a political alternative.

- 2002: The presidential election, almost 3 million votes, 10 per cent, for the candidatures of Arlette Laguiller (Lutte Ouvriere) and Olivier Besancenot of the LCR.

- 2003: A long strike (up to three months in certain sectors) by civil servants against the reform of the pension system. In spite of the silence of a Socialist Party (PS) which basically supported the reforms and in spite of the conduct of the majority of the trade-union leaderships, this strike really almost turned into a general strike. In fact, to prevent the convergence between the struggles that were taking place and their generalisation, it was necessary for the principal French trade-union confederation (the CGT) to break the beginnings of a full-scale transport strike.

- 2005: The rejection by 55 per cent of voters of the European Constitutional Treaty, in a context where after a unitary, militant campaign, the ‘no’ from the left played a decisive role.

- 2006: The victorious strike against an attempt to impose a low-wage work contract on young people (the CPE, First Job Contract). The mobilization was primarily organised by youth, but it was backed up at key moments by the entire workers’ movement through one-day strikes and mobilizations.

To all these elements should be added the evolution taking place in the Socialist Party, its increasingly complete conversion to social-liberalism and the extent of its integration into bourgeois institutions, whether national or international (in particular, the World Trade Organisation and the International Monetary Fund, presided over respectively by the French Socialists Pascal Lamy and Dominique Strauss-Kahn).

For the LCR, the period from 2002 to 2007 was one of reinforcement, one might say of primitive accumulation. Faced with the broadening of our audience, from 2002, we made the choice of opening wide the doors of our organization. That was not always easy, our old ways of doing things were sometimes shaken up, but really, above all, that prepared us to do what we are doing today, to move on to bigger things. Because if for us, going from 1500 to 3000 members during this period was a real success, it appeared quite flimsy in comparison with the political space that we were occupying.

Faced with the possibilities expressed in the social mobilizations, considering the 1.2 million, then the 1.5 million votes that we won at the presidential elections of 2002 and 2007, there really was too much of a difference between what we were and what we represented. This contradiction could only be transitory and without an initiative on our part, it is our audience which would have been brought down to our reality, not the reverse.

The catalyst was the result of the presidential election in 2007. The election of Nicolas Sarkozy marked a turning point in the political situation. He was elected with nearly 53 per cent of the votes, but above all he won after a campaign conducted that was very far to the right and which openly hunted for votes from supporters of the far-right National Front. For its part, the Socialist Party, which had been absent from the second round of the presidential election in 2002, made full use of the reflex of the ‘useful vote’ and in the person of its candidate, Segolene Royal, failed to take up the key issue of this election, the question of purchasing power. We obtained a relative success with 1.5 million votes (4.1 per cent). Above all, the other candidates to the left of the PS took a hammering, with 1.9 per cent for the candidate of the Communist Party and 1.4 per cent for Lutte Ouvriere.

Under these conditions, taking into account the social and political context and because we had the best result, we, the leadership of the LCR, had a particular responsibility.

The experience of Lutte Ouvriere is also eloquent. Twice, in 1995 and 2002, its candidate crossed the threshold of 5 per cent of the vote ...and then nothing. After a certain point, the expectations that have been aroused must find the beginnings of an answer, failing which you will pay a heavy price. However to stay the course, you need an alternative project, a collective force to lead it, in short a party.

And this party could not be the LCR. Because of its historical identity, Trotskyism, because it was the product of a certain conception dating from the 1970s of what a far-left organisation should be, the LCR, even though it had changed a lot, was not the answer that measured up to the scale of the challenge. In June 2007, during the meeting of our National Leadership, we took our responsibilities by launching an appeal for the constitution of a new anti-capitalist party.


An appeal

The will to build a new party is not new. Since 1992, synthesized in the form “new period, new programme, new party”, we had had this project. But the perspective remained rather abstract. In particular, the search for partners as a preliminary to any real step forward remained, to say the very least, unfruitful.

By launching this appeal, we made a daring choice which in its modalities probably has very few precedents.

First of all in the content of the project, because the appeal was situated on a clearly anti-capitalist orientation. From then on our project was really to create the conditions to bring together within the same party those who had not lost the will to overthrow the system. To put an end to this system of exploitation, domination and destruction of the resources of planet, that was the delimitation that we laid down. Other projects certainly exist to the left of the Socialist Party, but over and above the programmatic aspects, it is really the question of alliances and of taking part or not in running bourgeois institutions along with the social liberals which is the core of the problem.

Indeed, the corollary, the practical translation one might say, of this anti-capitalism is strict independence with respect to the Socialist Party. That implies in particular the refusal of any agreement to govern within the framework of bourgeois institutions with the PS. At the governmental level obviously, but also at the intermediate levels like the departments or the regions.

This position is, as we know, a casus belli for many organizations which affirm their anti-liberal positions. This is the case in particular with the French Communist Party (PCF). Admittedly in 2009, for the European elections it will run a list along with the Left Party of Jean-Luc Mélenchon [1], on quite insufficient axes, moreover. But a year ago, in order to preserve its municipal positions it sought a systematic agreement with the PS even if that meant accepting in many cities an agreement with the Modem [2]. And it is already announcing that it is seeking an agreement with this same PS for the regional elections in 2010. It should be mentioned that it participates in the regional executive, in a subordinate position, in 17 regions out of 22.

In the light of international experience, as in Brazil and in Italy, or quite simply in view of the disastrous balance sheets of the various governmental alliances in France (Union of the Left 1981-84, plural Left 1997-2002…), this independence with respect to the PS is an absolutely essential safeguard. But it is true that this precondition has a consequence: in the political field to the left of the Socialist Party there do not exist in France national partners to carry out this project along with the LCR. Either because of dependence on the Socialist Party, as in the case of the PCF, or from sectarianism in the case of Lutte Ouvriere. The positioning of this organization in recent years has been quite extraordinary. After having displayed the most unbridled opportunism at the time of the municipal elections of 2008, with the sole aim of getting councillors elected, and sometimes accepting agreements with the very worst in French social democracy (the first-round agreement to be on the Guérini lists in Marseilles, for example), the orientation laid down for the European elections consists of affirming a revolutionary Marxist current. There is however one constant theme: above all, have nothing to do with the LCR yesterday and the NPA today.

This absence of partners is not something we wish, and in many ways, the existence of another organization ready to commit itself would have made things simpler for us. In particular, as regards the not always well-intentioned reproach of only wanting to build a new version of the LCR, that would have been an asset. Convinced of the political urgency and the possibilities of taking a step forward, we decided not to make the launching of the process conditional on the existence of an agreement with this or that organization, by initiating a process of building from the bottom up.

This approach is unquestionably a change of tack with respect to the past policies of the LCR aimed at finding a way out of the crisis of the workers’ movement. But it also relates to an evolution on our part as to the relative place, between the old and the new, between the recomposition and the rebuilding of the workers’ movement. It is not a question of making a clean slate of the past, and many political, trade-union and associative sectors can be points of support for building an anti-capitalist party. On condition of course that organisational inertia does not prevent us from moving forward and that the old does not suffocate the new. And to do something new, it is also necessary to have new forces… That was the meaning of the appeal that we launched.

The mobilizations of the last several years showed that there were forces that were ready to commit themselves, that there was a radical new layer of activists and new layers of the working class. With our appeal, we made it possible to advance concretely towards the construction of a first political alternative.


First experiences, and a large consensus in the LCR

The period which opened in June 2007 and which went on until the Seventeenth Congress of the LCR in January 2008 was marked by the emergence of a broad consensus within the LCR and by the first experiences of committees for a new party.

The first challenge after the appeal of the National Leadership was to win the widest possible support among the members of the LCR for this project. A very broad agreement took shape within the DN, comprising four of the five currents that there had been at the previous congress in January 2006. It remained to ensure that the organization was thoroughly convinced by the launching of the process. To carry forward such a project, such an ambition even, a comfortable majority is not enough, it is necessary to obtain the broadest possible backing, for the membership to be enthusiastic. Although it was not always easy, and it took time to debate and to convince, in January 2008 nearly 83 per cent of the members of the League supported this orientation.

Parallel with this, the development and the success of the first experiences on the ground showed us that we were not taking a wrong turn. The support for the idea of building a new party that we had felt was there was confirmed, sometimes beyond our hopes.

It is not possible to describe the process in detail here, but it is useful to read François Coustal’s book on the subject [3]. But these first experiences already concentrated all the elements which would make for the success of the committees for a new party. The first element was the broadening of the social implantation, which was without common measure with what the LCR had been able to do. From the beginning, trade union cadres, including some with responsibilities at the Departmental level, committed themselves to the process. This was in particular the case in Marseilles, where the LCR took the initiative for the process, but also in the region of Mulhouse (in the Haut-Rhin department) where, it has to be said, it took place completely independently of us. In both cases, the project of the NPA found an echo in the concerns of local groups and currents with very different trajectories, but which took up the appeal launched by the LCR.

The second element, which was confirmed everywhere, was the emergence of concerns that could be described as ecosocialist. There was an ecology commission in the LCR which had been working and producing quite serious material over the last several years. But the place that this ecosocialist dimension occupied, not as an afterthought but as something that was present in all domains, was clear from the start. The third element, even though at present it is still embryonic, though real, was a development of our implantation in the popular neighbourhoods. From this point of view, although the work that has been accomplished remains fragile, it represents a real braek with the sociological reality of the LCR, even though the League was conscious of the problem.


An irreversible choice

With the assembling of a very broad majority of 83 per cent, and on the basis of successful first experiences, we decided at the LCR congress in January 2008 to throw all our forces into the battle. Above all, by fixing a date for the foundation of this new party, at the end of 2008 or the beginning of 2009, i.e. by fixing a date for the dissolution of the League, we were making an irreversible choice and we knew it.

2008 was the year that that the process really developed, but also when there was a gradual shift away from the LCR and towards the NPA. Once the municipal elections, which were a real success for the LCR, were over, dozens of new committees sprang up all over France. But it happened so quickly that when there were between 300 and 350 local committees, the only national structure that existed to direct the process remained the leadership of the LCR. That is why we propose a first national meeting of the committees at the end of June 2008.

The aim was to make possible the first contact between the different committees, with a double objective: on the one hand, to have an appeal which was no longer just the appeal of the LCR but of an assembly of committees for the NPA, of a party that was in the process of being established; on the other hand, to set up a national structure whose role would be to lead all the committees until the founding congress. The gamble largely paid off, and to tell the truth it exceeded our expectations. 800 delegates from between 330 and 350 committees adopted a new appeal and set up the National Organizing Collective (CAN) which from then would organise and coordinate the national activity of the committees, until the founding congress. Let us note in passing that the LCR made the choice of being a minority within the CAN. This National Organizing Collective had a lot on its plate. It met for the first time at the beginning of July, then again during the LCR summer school in August, and it had to create the conditions to produce the first draft documents and to organize a democratic discussion among the members and the committees.

Then a real constituent process was put in place, with an ongoing dialogue between the CAN and the committees. Hundreds of amendments were produced; a national meeting of the committees that was organized in November made it possible to reach a new synthesis of the three documents which then set off again towards the committees… and led to hundreds more amendments. This approach, because it enabled all those who were taking part in the process to really appropriate the documents, made it possible to cement, around a common project, different histories, trajectories and experiences.

This took place around the documents, but also through common practical activity. As an activist party, the NPA progressively, as it developed, built up its different interventions. Gradually the militant activity of the LCR was replaced by the activity of the various committees for a new party. In fact, during the autumn, many sections and cells of the LCR ceased to have a political intervention, and their meetings discussed nothing other than the preparation of the congress of dissolution, which was rapidly approaching.


The Founding Congress

After the LCR congress on February 5 which voted to dissolve the League by a very large majority, 87 per cent, the congress of the NPA opened – the culmination of a long constituent process. The serious and attentive character of a meeting of more than 1000 people, including more than 650 delegates, was widely remarked on. The way in which the various commissions dealt seriously with the hundreds of amendments on each of the three documents (founding principles , statutes, orientation), was experienced as an exercise in direct democracy with few equivalents.

It is not possible to recall here all the decisions that were taken by the founding congress of the NPA. All the documents that were adopted, as well as a number of videos that were made in the course of the three days of the congress, can be found on the site of the NPA [4]. But let us remain traditional, since a party is first of all a programme, and deal briefly with some of the elements which figure in what we called the “founding principles”.

The NPA does not define itself as a revolutionary party, but as a party wanting “to revolutionize society”. Some people wanted to see there just a semantic trick, but the reality is very different. In fact behind the term of revolutionary party are concealed several ways of understanding it. For some, and this is probably on a large scale the meaning most commonly shared, behind the word revolution, there are the experiences of the French Revolution, the Paris Commune, even the experiences of June 1936 and May 1968. For the revolutionary Marxist current to which the LCR belonged, the definition was narrower: a revolutionary party is a party which has a programme and a strategy to make the revolution. Under these conditions, and taking into account our project, to revolutionize society makes it possible to define a camp, consisting of those who have not abandoned the idea of bringing this system down, without advancing any further concerning the strategic hypotheses for achieving this end. On the other hand the founding principles are clearly of Marxist inspiration, including in their relationship to such a crucial question as the nature of the state. Our programme indicates that the state and its institutions are instruments of the bourgeoisie, that they cannot be put at the service of a political and social transformation, and that consequently they must be overthrown.

The NPA is also a party which fights for socialism: our founding principles indicate that “the only answer to the globalized crisis of capitalism, the battle on which the future of humanity depends, is the battle for a socialism of the 21st century, democratic, ecological and feminist”. After some hesitations between “socialism”, “ecosocialism” and “socialism of the 21st century”, it is the latter which was retained, after a vote. But the ecological dimension is strongly present, with the fundamentally correct approach that there can only be a battle for socialism if the planet continues to exist…


The NPA, internationalism and the Fourth International

The New Anti-capitalist Party, faithful to its founding principles, will have his own policies and its own international relations. But because it is a party that is really internationalist, because it knows that there cannot be the development of the anti-capitalist forces in France without equivalent developments in Europe and in the world, the NPA carries a project of regrouping anti-capitalist forces. Moreover, the conclusion of our founding principles is explicit on the subject: “Our party seeks to link itself to all the forces in the world which fight against capitalism. That is why the NPA will engage in dialogue and political collaboration with other anti-capitalist and revolutionary forces in the world with a view to the constitution of a new International”.

Obviously, it has to be understood that in its practical concretization, in its choices, in its method of construction, there are elements which are very deeply related to French social and political reality, to the way that the political landscape in France is made up. So the NPA is not and cannot be any kind of model.

It is true that concerns have been expressed both in the ex-LCR and in the rest of the Fourth International. The choice of the LCR to dissolve, considering its importance in the International, is not without consequences. The NPA is not and does not have a vocation to be the French section of the Fourth International. However with the NPA, even after the dissolution of the League, there is much more space, more influence for the Fourth International.

The large number of foreign delegations at the founding congress is enough to demonstrate this: there were more than 100 people, coming from 70 organizations, from 45 countries on the five continents. Such a force of attraction was possible because the project of the NPA carries within it a dynamic which interests many organizations and currents throughout the world. But without the existence of the Fourth International and its networks, none of that would have been possible.

What are the perspectives prospects from now on? The founding congress was a big success. With more than 9,000 members, the NPA is already a force to be reckoned with on the French political scene. But although the congress was an important stage in the process, it was really only one stage in the construction and the development of our project. The dynamic continues, and in the three weeks which followed the creation of the NPA, we received more than 3,000 contacts and applications to join. The reality of this new party, its dynamic and the developments of the crisis of capitalism must lead to new processes of crystallization and differentiation within certain sectors of the French workers’ movement.

Above all, in the face of the gravity of the international financial, economic, food and ecological crisis, in the face of the extent of the disastrous social effects that the world recession is generating, the level of social exasperation can only increase. Already important mobilizations are developing: 2.5 million people in the streets on January 29, the ongoing strike of the personnel of higher education and of course the general strikes in Guadeloupe and Martinique.

At this moment, at the beginning of 2009, the newly-born NPA is developing an extremely active united front policy. It was on its initiative that a common statement of 11 left organizations was published, calling for the continuation of the mobilization after the success of the demonstrations of January 29 and in support of the struggle in Guadeloupe. One of the most urgent tasks of the hour for the NPA is to be an effective instrument supporting the broadest unity. But in parallel, the NPA defends its own positions, and in particular the demand for an across-the-board wage increase of 300 euros, which is having an increasing echo.

The exemplary strike led by the LKP in Guadeloupe shows not only that such demands are necessary and that they can find a broad echo at a mass level, but that partial victories are also possible. The next European elections in June 2009 are also an important date. In the first place because these elections will be dominated by the gravity of the social effects of the capitalist crisis.

Faced with the sharp rise in unemployment and with the lay-offs that are in the pipeline, it is necessary to defend a project that represents a break with what European construction has been since the Treaty of Rome in 1957, a clear and consistent break with the capitalist system. There cannot be one electoral tactic for even years and another for odd years. It is not only derisory in comparison with the depth of the social and political crisis; it encourages reactions of despair and prevents the emergence of a real political alternative. On the other hand, it is undoubtedly possible with these elections to begin to build an alliance of anti-capitalist forces in Europe.

An alliance that will no doubt be partial and limited at this stage, but which would already represent a first step forward.

Anti-capitalist sentiment and the search for a political alternative to this absurd system are developing in this country. However, we are approaching this period full of uncertainties with a new instrument which by its programme and its positioning can bring together part of the aspirations for a radical break with the system. So are we able, with the NPA, to answer all the political questions of the day? The answer is obviously no. The perspective remains that of a mass anti-capitalist party capable of building a different relationship of social and political forces. That will undoubtedly take time, even though elements of acceleration are far from being excluded given the situation.

But let us pose the question differently: have we, with the constitution of the NPA, crossed an important threshold, and even entered a new stage in the realization of this objective? Unquestionably, this is the case. To amplify the dynamic around the NPA, to be able to incorporate new traditions coming from the French workers’ movement, above all to encourage, by our practical activity and our demands, the coming mobilizations; that is the challenge. The task will undoubtedly not be easy but it fills us with enthusiasm and we are ready for it.

*Guillaume Liégard, former member of the Political Bureau of the LCR, was elected to the National Political Council of the NPA at its founding congress. He is a member of the International Committee of the Fourth International.


NOTES

[1] The Left Party (PG) was launched on November 12, 2008 by Jean-Luc Mélenchon (senator) and Marc Dolez (deputy in the National Assembly), who left the PS and joined, both in the National Assembly and in the Senate, the parliamentary groups organized by the PCF.

On November 18 the PG constituted with the PCF a “left front for another Europe, democratic and social, against the ratification of the Treaty of Lisbon and the present European treaties”, for the European elections of June 2009. Two other independent parliamentarians, Jacques Desallangre (deputy and mayor of Ternier) and François Autain (senator) joined the PG, which held its launch meeting on November 29 in the presence of Oskar Lafontaine (Die Linke, Germany) and from January 30 to February 1, 2009 its launch congress (with 600 delegates), which had on its agenda the adoption of a constitution, emergency measures in response to the economic crisis and a decision on electoral strategy.

A congress which will discuss the program of the PG has been announced for autumn 2009.

[2] The Democratic Movement (Modem) was created in 2007 by Francois Bayrou (who was up until then president of the Union for French Democracy, UDF), following the presidential election in which Bayrou stood against Sarkozy. The Modem defines itself as centrist, social-liberal and Europeanist and consists of that part of the liberal Right which refused to join Sarkozy’s party, the UMP.

[3] François Coustal, Incroyable histoire du Nouveau Parti Anticapitaliste, Editions Demopolis, Paris 2009.

[4] http://www.npa2009.org