Wednesday, July 8, 2009

Conferencia Internacional en Ramallah

Experiencias de unificación de los partidos de izquierda en Palestina y en el mundo
Sergio Escriche
SODePAZ.-Ramallah 26, 27 y 28 de junio

El pasado fin de semana tuvo lugar en Ramallah una conferencia internacional bajo el título “ Experiencias de unificación de los partidos de izquierda en Palestina y en el mundo”, la primera sesión, que se desarrolló a lo largo del viernes, sirvió para dar a conocer al pueblo palestino las vivencias y las iniciativas llevadas a cabo en distintos lugares del planeta.
Compañeros de Bolivia, Paraguay, El Salvador, India, Alemania, Grecia y Francia presentaron el trabajo que se está realizando en sus países y llamaron a la unidad de la izquierda como única e indispensable receta para luchar contra el neoliberalismo.
Esta receta no es universal o extrapolable a cada región, pero los ejemplos de Bolivia y El Salvador, nos enseñan, que con los ingredientes adecuados, una buena lectura de la realidad social y un trabajo constante desde la base, el cambio no solo es necesario y deseado sino que también, real y posible.
La sesión del sábado estuvo dedicada en exclusiva a los movimientos de la izquierda palestina. Comenzó con los discursos de los líderes de los tres partidos más representativos, Palestinian People`s Party (PPP), Popular Front for the Liberation of Palestine (PFLP) y Democratic Front for the Liberation of Palestine (DFLP).
Las intervenciones recorrieron vagamente los lugares comunes y la necesidad de una unificación para ofrecer al pueblo palestino una alternativa al bipartidismo Fatah- Hamas. Pero no hubo concreciones que pongan en marcha un trabajo común, ni tampoco un acuerdo de mínimos respecto a temas tan importantes como la religión o el posicionamiento ante una futura negociación con el Estado de Israel.
Tras los acuerdos de Oslo y la creación de la Autoridad Nacional Palestina (ANP), la izquierda palestina quedo a la deriva, confusa y aislada al igual que pasó en Centro América tras los acuerdos de paz. Su futuro dependerá de su empeño por autoregenerarse, de su grado de imaginación para adaptarse a los nuevos tiempos y de su capacidad para olvidar viejas disputas y empezar a crear desde posiciones compartidas.
Para ello debe buscar la complicidad y el apoyo de dos grupos sociales de vital importancia y abandonados hasta el momento, la juventud y las mujeres. Cuantitativamente la conferencia fue un éxito pues el salón de actos estaba repleto, aunque la calidad, sin menospreciar a nadie, nos refleja un dato más preocupante, mas del 80% eran varones de mas de 50 años de edad.
A lo largo del maltratado territorio palestino, hay miles de jóvenes y mujeres en busca de nuevas esperanzas y alternativas. Es obligación de la izquierda abandonar los despachos de Ramallah y salir en su búsqueda.
El reto es enorme y los enemigos numerosos. La humillante ocupación israelí, el inestable e impopular gobierno de Fatah, el islamismo de Hamas y una comunidad internacional que torpedea cualquier iniciativa de izquierdas por muy democrática que esta sea.
http://sodepaz.es/index.php?option=com_content&task=view&id=1032&Itemid=16

Wednesday, July 1, 2009

كلمة افتتاح: المؤتمر الدولي - تجارب تفعيل وتوحيد اليسار في فلسطين والعالم

الضيوف والحضور الكرام، رفاقنا من الدول الصديقة (بوليفيا، السلفادور، براغواي، الهند، ألمانيا، فرنسا، اليونان، البرازيل) رفاقنا في النضال، ممثلي الأحزاب والحركات اليسارية في هذه الدول، الضيوف أعضاء السلك الدبلوماسي، رفاقنا في القوى اليسارية والديمقراطية الفلسطينية/ رفاقنا في التيار الوطني الديمقراطي التقدمي، أيها الديمقراطيون الفلسطينيون/ رفاقنا وشركاؤنا في إخراج هذا المؤتمر الى خيز الوجود مؤسسة "روزا لو كسمبورغ" . السيدات والسادة جميعا.

أرحب بكم أجمل ترحيب وأتشرف للحديث باسم التيار الوطني الديمقراطي التقدمي شاكرا لرفاقي وزملائي ثقتهم بأن أتحدث باسم التيار الوطني الديمقراطي التقدمي الذي وضع وما زال نصب عينيه مهمة عظيمة وسامية وهي السعي لتوحيد اليساريين والديمقراطيين الفلسطينيين أحزاباً وأفراداً ومؤسسات مؤكداً أنه لا يطرح نفسه بديلا لأحد ولا يسعى لإضافة رقم آخر للأحزاب والقوى القائمة في الساحة الفلسطينية لكنه يسعى ومع كل اليساريين التقدميين المقتنعين بوحدة اليسار في الساحة الفلسطينية يسارا مناضلا مدافعا عن قضايا الشعب وحقوقه الوطنية والاجتماعية متمسكا بوحدة الشعب والأرض والقضية رافضا كل أشكال الانقسام والاقتتال والتفريط السائدة في الساحة الفلسطينية.

يجيء انعقاد هذا المؤتمر كظاهرة فريدة إن لم يكن على نطاق العالم العربي فعلى صعيد فلسطين اذ من المؤكد أنها فريدة فرادة الواقع الفلسطيني الذي رغم عراقة وغنى تجربة اليسار الفلسطيني منذ حوالي مثة عام إلا أنه ما زال عاجزا عن تبؤ المكان الذي يستحق والذي يتوقعه منه الشعب الفلسطيني الذي يواصل منذ أكثر من قرن نضاله وتحديه لأسوأ الآت البطش وأسوأ أشكال الاضطهاد والاقتلاع والتمييز العنصري التي تمارسها الحركة الصهيونية ضده.

كما يتوقع ذلك منه رفاقه وأصدقاؤه وكل المؤمنين بعدالة الشعب الفلسطيني ومشروعية نضاله حيث يتوقع اليساريون في العالم والديمقراطيون الثوريون من اليساريين الفلسطينيين، من كل الديمقراطيين أن يكونوا حيث تكون قضايا وهموم شعبهم وحيث تكون طليعة النضال العتيد والمثابر دفاعا عن هذه الحقوق، فقد ارتبط مصطلح اليسار تاريخيا بالصلابة والاخلاص والتمسك بالمبادىء فأين نحن منه كيساريين فلسطينيين، أين كنا من ذلك وأين نقف الآن؟

أين نقف الآن، في مرحلة تشهد العديد من شعوب العالم نهوضا لحركات اليسار وانتصارها على قوى الظلم والاضطهاد، قوى رأس المال القديم والليبرالية الجديدة فها هم رفاقنا في العديد من دول أمريكا اللاتينية يتقدمون باتجاه تحرير أمريكا اللاتينية من قبضة الظلم فهذا التحالف البوليفاري حيث كوبا، فنزويلا، بوليفيا، نيكاراغوا، الأوروغواي، والاكوادور، ها هم يكرسون اشتراكية حقيقية تضع كل امكانيات دولهم في خدمة الإنسان، وها هم يتحدون ويتصدون ويواجهون بنجاح محاولات التخريب الامبريالية لبلادهم، هؤلاء اليوم بيننا بتجاربهم وخبرتهم الخلاقة التي كانت جراء تضحيات جسام ودماء سالت على طريق التحرر لم تعد ملكا لهم لكنها ملك للبشرية، للشعوب المقهورة تستخلص دروسها وتتمثل ما يتلائم وواقعها لتتجه نحو بلورة تجربة تستجيب لواقعها وتهيء لانتصارها، ولكن ما لا شك فيه وما هو مشترك بالفعل وينبغي أن يكون درسا لا غبار عليه هو أن شرذمة وتفرق قوى اليسار خير وصفة _حال استمراره_ لمزيد من التراجع والتهميش نحو الاندثار وأن وحدة قوى اليسار على قاعدة التمسك بهموم وقضايا الشعب وحقوقه المشروعة والمتمثلة في حالتنا الفلسطينية بالعودة إلى الديار وفق قرار 194 وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس ورحيل المستوطنين الغزاة عن أرضنا.

إن التجارب اليسارية الوحدوية لا تقتصر على أمريكا اللاتينية وحدها لكنها امتدت إلى قارات العالم كلها فأصدقاؤنا ورفاقنا في أوروبا وآسيا يشاركوننا اليوم بخبراتهم وتجاربهم في السعي لتوحيد صفوفهم والتي نجحت أحيانا وأخفقت أخرى، كل هذا نستخلص منه دروسا باتجاه تكريس خيار الوحدة التي لا بديل عنها لتجاوز أزمة اليسار الفلسطيني وتبوئه مكانه الطبيعي والطليعي في الساحة الفلسطينية.

إن دور اليسار الفلسطيني يكتسب أهمية قصوى في هذه المرحلة من نضال الشعب الفلسطيني حيث حكومة نتنياهو اليمينية العدوانية تواصل سياستها الاجرامية بحق شعبنا وتواصل تنكرها لحقوقه التي أقرتها كل المواثيق وقرارات الشرعية الدولية وتزداد مسؤولية اليسار الفلسطيني أهمية في ظل الانقسام الذي تشهده الساحة الفلسطينية بين مشروعين غيبا بشكل واضح مصالح الشعب الفلسطيني وقضاياه لصاللح محاصصة تقتسم السلطة والمنافع والنفوذ بعيدا عن هموم الشعب وحقوقه.

أيها الضيوف ، أيها الرفاق والرفيقات

اذ أعلن باسم التيار الوطني الديمقراطي التقدمي افتتاح أعمال هذا المؤتمر الدولي "تجارب تفعيل وتوحيد اليسار في فلسطين والعالم" يطيب لي أن أشكر كل القائمين على المؤتمر وكل الذين شاركوا في التحضيرات التفصيلية والذين عملوا بصمت وجد مثابرة لنصل جميعا الى هذه المحطة، كما أشكر شركاءنا في تنظيم هذا المؤتمر مؤسسة " روزا لو كسمبورغ" والتي شكلت كمناضلة طليعة نموذجا لليساري المتفاني من أجل تحقيق العدالة والتقدم للانسانية جمعاء. آملا النجاح لأعمال المؤتمر ونقاشا معمقا يغني الأوراق المطروحة وواثقا أن هذه المؤتمر سيكون فاتحة للقاءات ودية بين يساري العالم يقيمون تجاربهم ويتبادلون خبراتهم في مواجهة عدوهم المشترك الامبريالية والعنصرية الصهيونية ورأس المال .

مرة أخرى أرحب بكل الرفاق الضيوف وممثلي القوى اليسارية والديمقراطية الفلسطينية وأعضاء التيار الوطني التقدمي آملاً أن يخقق هذا المؤتمر الأهداف التي نسعى جميعا من اجل تحقيقها.

التيار الوطني الديمقراطي التقدمي

26-6-2009

دروس مستخلصة من تجارب توحيد اليسار في فلسطين

ورقة مقدمه من: عبد الرحيم ملوح

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

حزيران / 2009

تمهيد:

شكلت فكرة وحدة قوى اليسار الفلسطيني محورا أساسيا من محاور عمل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تاريخيا ، وقد آمنت الجبهة بأهمية وضرورة هذه الوحدة من منطلقات فكرية- أيديولوجية وسياسية وإستراتيجية .

تعبيرا عن هذا الاهتمام والإيمان ضمنت الجبهة أنظمتها الداخلية وبرامجها السياسية المتعاقبة نصوصا تعبر عن ذلك، اعتبرتها الجبهة مبدأ من مبادئها العامة ، وآخرها ما جاء في النظام الداخلي المعدل الصادر عن المؤتمر الوطني السادس المنعقد في تموز عام 2000، حيث أكدت المادة الثالثة على أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " ,,, تناضل من أجل وحدة كل القوى والفعاليات والشخصيات الديمقراطية في إطار سياسي – ديمقراطي موحد". وما هذه الصيغة إلا تعبير عن فكرة وحدة اليسار الفلسطيني ، فقد أوضحتها شروحات النظام الداخلي للجبهة باعتبارها عملا من أجل وحدة التعبيرات السياسية للطبقة العاملة والنضال من أجل علاقات أفضل بين القوى الديمقراطية التقدمية في الساحة الفلسطينية تمهيدا لتشكيل الخيار الديمقراطي الموحد. وفي وثائق سابقة ولاحقة استخدمت مفاهيم " بناء حزب الطبقة العاملة الموحد" و" الحزب الطليعي الموحد" و" وحدة اليسار"و" وحدة القوى الديمقراطية الثورية والتقدمية" و" بناء الحركة الشعبية الديمقراطية" و" البديل الديمقراطي " و" التجمع الوطني الديمقراطي " و" جبهة اليسار" وغيرها من التعبيرات والصيغ التي تعبر عن جوهر ذات المبدأ والهدف والمضمون وإن اختلفت في بعض التفاصيل.

تطور تجربة وحدة قوي اليسار في فكر وممارسة الجبهة الشعبية

لم يكن مبدأ النضال لوحدة اليسار الفلسطيني قد عبر عنه بوضوح في بداية نشأة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث كانت فكرة بناء الجبهة الوطنية المتحدة المستقاة من تجارب ثورية أخرى هي الفكرة الطاغية في فكر وممارسة الجبهة ، وهو ما تكرس لاحقا في النظرة لمنظمة التحرير الفلسطينية والنضال من أجل إصلاحها الديمقراطي . أما فكرة وحدة اليسار فلم تكن مطروحة في البدايات و لأسباب متعلقة بطبيعة نشأة تلك القوى وانشقاقاتها عن بعضها البعض ، وبالتالي تناقضاتها التي وصلت في بعض الأحيان حد القطيعة وتبادل التهم والنعوت التي لا تخلو من حدة ونزق وتعبر عن عصبويات فئوية ضيقة وقصور فكري واضح لدى الجميع.وقد برزت هذه التناقضات والاتهامات واضحة في مرحلة ما بعد حرب تشرين / أكتوبر عام 1973، في ضوء الخلافات حول التسوية السياسية ، والتي على أثرها ساهمت الجبهة مساهمة أساسية في تشكيل جبهة الرفض ، فيما اصطفت القوى اليسارية الأساسية الأخرى ( الجبهة الديمقراطية ، والشيوعيين الفلسطينيين ) في الجهة المقابلة.

في تلك الأثناء وحتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، كانت الجبهة تركز على ما أسمته " المحور الجذري" سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي ، وسعت إلى بناء أشكال وحدوية مع تلك القوى المصنفة في إطار هذا المحور وذلك انشدادا للاعتبارات السياسية أساسا.

مع نهاية السبعينيات ، وبعد أن استعادت منظمة التحرير الفلسطينية وحدتها عام 1979على أساس برنامج الإجماع الوطني : برنامج العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس ، وفي ضوء التطورات الفكرية لقوى اليسار واعترافها المتبادل ببعضها البعض كقوى يسارية ( تقدمية وديمقراطية ثورية )، أخذت العلاقات بينها تتحسن تدريجيا .

وفي ضوء نتائج الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تبعه من انشقاق في فتح وأزمة في م. ت. ف ، ومحاولات التفتيت و الاحتواء والتصفية للقضية الوطنية ، التقت الجبهتان الشعبية والديمقراطية عام 1983 وشكلتا " القيادة المشتركة " وطرحتا برنامج " الوحدة والإصلاح الديمقراطي"، وفي تلك الأثناء كان الشيوعيون الفلسطينيون قد أعادوا تشكيل حزبهم الخاص( الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي أخذ لا حقا اسم "حزب الشعب" ) ، مما فسح في المجال لتشكيل ما سمي ب " التحالف الديمقراطي" بين الجبهتين والحزب الشيوعي وجبهة التحرير الفلسطينية.

إن إقدام الجبهة الشعبية على بناء مثل هذه التحالفات، التي تصب بشكل أو بآخر في وحدة اليسار الفلسطيني ، نابع من تحليلها لتجربة الثورة الفلسطينية واستخلاصها لدروسها وعبرها . ففي رده على سؤال متعلق بمسؤولية اليسار الفلسطيني عن أزمة الثورة الفلسطينية المعاصرة ، أجاب الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة وأمينها العام آنذاك(1985): إن كون اليمين هو الذي يتحمل المسؤولية الأولى والأساسية في أزمة الثورة لا يعفي الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية من الوقوف أمام مسألة الاهتمام بموضوع وحدة اليسار وموضوع تفكك اليسار طيلة الفترة ، إضافة إلى كيفية استفادة اليمين من زرع التناقضات بين فصائل اليسار ....إن القضية الأهم بالنسبة لنا في هذا الجانب والتي يجب تداركها هي مسألة كيف يمكن أن يعالج اليسار تعارضاته بشكل ديمقراطي في ظل رؤية التناقض الرئيسي داخل الساحة الفلسطينية ..".وفي إشارة واضحة إلى تجاوز المفاهيم القديمة حول تصنيفات قوى اليسار بين انتهازية وثورية ، وفي رده على سؤال حول هذا الموضوع ، أجاب الأمين العام للجبهة : " اننا في الساحة الفلسطينية تحديدا لا نستطيع في هذه المرحلة أن نصل إلى تقييمات وتصنيفات نهائية لموضوع اليسار ، واليسار الانتهازي بنفس المقاييس التي حصلت في الحركة العمالية في تاريخها الطويل.........بحكم تعقيدات الساحة الفلسطينية والساحة العربية ...، انه يجب أ ن تفتش قوى اليسار ، بالرغم من خلافاتها ، عن عملية نقاط اللقاء، واستمرار الحوار قبل أن نصل إلى مستوى التصنيف..و إنني على ضوء اعتبارات آيديولوجية واعتبارات سياسية أدعو إلى أن نعتبر كل القوى التي تمثل اليسار طبقيا هي ضمن قوى اليسار ، لنستخلص من عملية الحوار المكثفة الخط اليساري الفلسطيني ، والخط اليساري العربي".(الدكتور جورج حبش، أزمة الثورة الفلسطينية المعاصرة ، دار الفارابي ، بيروت، 1985).

وللأسف لم يكتب النجاح لتجربة "القيادة المشتركة" بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية و كذلك لتجربة "التحالف الديمقراطي" على الرغم من أنهما تجربتان رائدتان وجاءتا في ظروف سياسية ملائمة لوحدة اليسار الفلسطيني .

و رغم تلك التجربة ، تابعت الجبهة الشعبية محاولاتها للتوحد مع تنظيمات يسارية فلسطينية ومنها جبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال ، لكنها لم تتكلل بالنجاح.

أما التجربة الأبرز في حينه على صعيد وحدة اليسار فكانت تجربة " القيادة الموحدة " بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية للفترة ما بين 21/9/1992 وحزيران /1999.وكانت بدايات تلك التجربة قد انطلقت من منطلقات سياسية متعلقة برؤية مشتركة وتحليل مشترك للمخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وما أبدته قيادة منظمة التحرير من استعداد للانغماس في التسوية السياسية للصراع والقبول بحكم إداري ذاتي .وما ميز هذه التجربة عن سابقاتها ، أنه وفورا بعد الإعلان عن تشكيلها ، شرعت القيادة الموحدة "بإصدار المواقف السياسية المشتركة باسمها ، وأقامت على الفور هيئة للسكرتاريا ، وهيئات موحدة لقيادات الفروع ودوائر العمل الوظيفي في مجالات العمل العسكري والسياسي والإعلامي والنقابي والجماهيري ، وأخذت تصدر الرسائل و التعاميم الداخلية والقرارات والتوجيهات لقواعد وكوادر التنظيمين للقيام بالمهام المشتركة" ، وانتقلت في فترة لاحقة مما أسمته ب " التجاور السياسي والنضالي" إلى " مستوى التوحد التدريجي" باتت قرارات القيادة الموحدة فيها ملزمة للهيئات الموحدة للفروع والدوائر" وأعطيت أولوية لتوحيد الجهود لإعادة بناء المنظمات والاتحادات الشعبية والدخول بقوائم انتخابية موحدة على طريق توحيد المنظمات الديمقراطية التابعة للجبهتين ، كما وأقرت لائحة داخلية للقيادة المركزية في نهاية شباط 1993، وأصدرت برنامج الخلاص الوطني عام 1994 وتمكنت من أخذ موافقة التنظيمين في مؤتمريهما الحزبيين العامين ( الكونفرنس العام للجبهة الشعبية في حزيران 1994 والمؤتمر الوطني الثالث للجبهة الديمقراطية في أيلول 1994) على إقامة الاتحاد الجبهوي بين التنظيمين ووضعه موضع التنفيذ.وفي كانون أول 1994 قررت القيادة الموحدة للجبهتين " المبادرة إلى فتح الحوار ، مع سائر القوى والشخصيات الديمقراطية ، ودعوتها للمشاركة بالجهد التوحيدي المطلوب لبناء القطب الديمقراطي الفاعل في إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية ..." ورحبت بمشروع العملية التوحيدية الاندماجية بين الحزبين التوأمين للجبهتين على الساحة الأردنية. وقررت القيادة الموحدة في تشرين ثاني 1994 توحيد المنظمات الديمقراطية الثلاث : الشباب والعمال والمرأة في خلال مدة زمنية أقصاها عام من تاريخ اتخاذ القرار ، ألا أن هذه العملية ورغم نجاحها في بعض الفروع راوحت مكانها ولم تنجز ، وإجمالا فان مشروع الاتحاد الجبهوي برمته أخذ مع نهاية عام 1994 وبداية عام 1995 بالمراوحة في مكانه ، وخلق الفشل إحساسا عميقا بالمرارة وغدت التجربة موضع تساؤل بعد افتقاد المشروع لزخمه ، مما أدخل المشروع الوحدوي في مرحلة تراجع وخاصة قبيل وأثناء وبعد انعقاد الدورة الحادية والعشرين للمجلس الوطني الفلسطيني في نيسان عام 1996. ورغم ذلك استمر الإصرار على إنجاح التجربة لدى الهيئات القيادية لكن الواقع كان أعندا وأخذت التعارضات تزداد بين التنظيمين إلى أن اتخذت قيادة الجبهة الشعبية قرارا في حزيران 1999 بتجميد العمل بالهيئات القيادية الموحدة على جميع المستويات. (تجربة القيادة الموحدة للجبهتين الشعبية والديمقراطية . وثيقة صادرة عن المكتب السياسي ، حزيران 1999).

وفي ذات الفترة خاضت الجبهة الشعبية بعد قيام السلطة الفلسطينية تجربة بناء ما أسمته ب " الحركة الشعبية الديمقراطية الفلسطينية " بالتعاون مع قوى وتيارات وشخصيات وطنية ويسارية ، إلا أن التجربة لم يكتب لها النجاح رغم عقد مؤتمر عام للقوى والشخصيات تحت عنوان " التجمع الوطني الديمقراطي " ورغم ما تحقق من انجازات على صعيد بناء "تجارب أولية للقطب الديمقراطي في أوساط الطلبة " و"تجمع يساري في شبكة المنظمات الأهلية"( انظر الوثيقة السياسية والجماهيرية الصادرة عن المؤتمر الأول لفرع الضفة الغربية . الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، نيسان 1998) .وتجددت محاولات بناء " البديل الديمقراطي " بعد عودة الرفيق أبو علي مصطفى إلى الداخل ، والذي تولى الأمانة العامة خلفا لرفيق دربه الدكتور جورج حبش ، ورغم ما أنجز على هذا الصعيد إلا أن المشروع تعثر.وقامت الجبهة بخوض غمار حوار مع القوى الديمقراطية واليسارية لبناء تحالف انتخابي لخوض الانتخابات التشريعية لعام 2006، لكن التجربة فشلت وشاركت الجبهة الشعبية في الانتخابات بقائمة منفردة بينما تشارك حزب الشعب والجبهة الديمقراطية والاتحاد الديمقراطي " فدا " في قائمة " البديل " ، كما خاضت المبادرة الوطنية الانتخابات التشريعية لوحدها أيضا بعد أن كانت قد تحالفت مع الجبهة الشعبية في انتخابات الرئاسة، وكذلك فعلت جبهة النضال الشعبي .وهاهي الجبهة تقوم اليوم بخوض غمار مشروع وحدوي يساري جديد. وبخاصة مع الجبهتين الديمقراطية وحزب الشعب وقوى وشخصيات أخرى.

دروس وعبر التجربة

إن كل هذه التجارب والمحاولات ، المشار إليها سابقا، جاءت منسجمة مع ما شهدته الجبهة الشعبية من تحولات وتطورات وما استخلصته من عبر ودروس المراحل المختلفة للنضال الوطني الفلسطيني عموما ، والمرحلة الجديدة بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 بخاصة . ففي معرض تحليله للظروف المستجدة بعد مؤتمر مدريد ، أكد الأمين العام الأسبق للجبهة الدكتور جورج حبش أمام المؤتمر الوطني الرابع للجبهة الذي انعقد عام 1993 أن الاستقطابات الجديدة في الساحة الفلسطينية في ضوء تراجع البرجوازية عن البرنامج الوطني وتنامي فعل وتأثير الاتجاه الأصولي الديني تجعل الجبهة تقف أمام " استحقاق البديل الثوري" مستنتجا " أن لا مكان للفراغ في الطبيعة كما في الظواهر الاجتماعية " ( المؤتمر الوطني الخامس . الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، الوثائق).وتوقف الكونفرنس الوطني العام للجبهة عام 1994 أمام أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية معتبرا أنها تتجلى في مظاهر خمس منها " عجز البديل الديمقراطي ومعاناته الحقيقية من أزمات وأمراض وسلبيات وقصورات خطيرة تطال بناه التنظيمية وممارساته وعلاقاته مع الجماهير وقدرته على بلورة برنامجه الاجتماعي البديل في شتى الميادين"، وحملت الجبهة هذا " البديل " جزءا من المسؤولية عما آلت إليه الحركة الوطنية وذلك لأنه لم يقم بعملية " القطع الايجابي الشامل مع برنامج البرجوازية الاجتماعي – السلوكي – التنظيمي – المالي – الإداري – الكفاحي – الجماهيري.....(.وأن قوي البديل ) "تأثرت بسياسات اليمين الذي أوجد مناخا لانتقال بعض أمراضه لصفوف القوى الديمقراطية " ، " وبالتالي فقد بقيت شعارات وبرامج هذا البديل الديمقراطي نظرية تبشيرية ومندمجة إجمالا في الممارسة السياسية الكفاحية – التنظيمية السلوكية .. المهيمنة في الحركة الوطنية الفلسطينية " .وفي اطار مجابهة الواقع الجدبد والتصدي لمهمات المرحلة اعتبرت الجبهة أن شق الطريق أمام مشروع البديل الديمقراطي " يعتبر ضرورة وواجبا وطنيا واجتماعيا لأنه يمثل مهمة إنقاذية للمشروع الوطني الفلسطيني برمته" . ودعت الجبهة لبلورة هذا البديل برنامجا وأداة على أساس قاعدة المصالح العليا للوطن والشعب وركيزتي الديمقراطية السياسية والاجتماعية، معتبرة أن البديل الديمقراطي هو مشروع نضالي تحرري اجتماعي متكامل وليس الجمع الميكانيكي والشكلي للقوى الديمقراطية "أي أنه " بلورة إطار ديمقراطي ، يحمل برنامجا واضحا وشاملا للمجتمع الذي يخوض النضال في اتجاهين رئيسيين : مجابهة الاحتلال الصهيوني ، ومواصلة عملية البناء والتطور الاجتماعي".واعتبرت الجبهة أن وحدة الجبهتين الشعبية والديمقراطية " ليست وليدة رغبة ذاتية ، كما أنها ليست ردا مفتعلا على حدث معين ، وإنما هي خيار استراتيجي في إطار الخيار الاستراتيجي الأشمل المتمثل بوحدة القوى الديمقراطية وبلورة البديل الديمقراطي".وأكدت الجبهة على أن نجاح تجربة وحدة القوى الديمقراطية وخلق البديل الديمقراطي تستلزم توفير المقدمات والشروط التالية :

1. " الوقوف أمام تجربة القوى الديمقراطية على مدار السنوات الماضية وقراءة هذه التجربة بعمق وعلمية وبروح نقدية صارمة، وتحديد مكامن وأسباب العجز التي أبقت هذه القوى في موقع عدم القدرة على إنضاج البديل الديمقراطي بمضامينه وأشكاله السياسية والتنظيمية – الكفاحية والسلوكية – الجماهيرية ".

2. الاقتناع بأهمية الوحدة والعمل باتجاهها "كخيار استراتيجي وكرد استراتيجي على تحديات المرحلة".

3. ضرورة توفر البرنامج الموحد باعتبار أنه" دون الاتفاق الواضح والعميق على الخطوط الإستراتيجية في ميادين العمل النضالي المتنوعة ، فإن بذور الخلاف والشقاق ستبقى قائمة ، كما أن الضبابية ستكتنف مسار العمل الوحدوي".

4. أن تنطلق العملية التوحيدية وأن تقوم على أساس ديمقراطي عميق وشامل. أي أن تكون الوحدة نتاج إرادة جمعية لقواعد وكوادر القوى الديمقراطية وبالتالي أن تلاحظ باستمرار التوازن في المعادلة بين القمة والقاعدة.

5. " المجابهة الصريحة والحازمة للعوامل والممارسات المعيقة للوحدة سواء كانت خارجية أم داخلية ، مع ضرورة الانتباه إلى أن الموروثات ثقيلة والجانب النفسي يحظى بأهمية خاصة، والفئوية تعشش في ثنايا الرأس و" الأنا " موجودة دائما، والحل الأجدى هو الحوار والحوار ومخاطبة العقل..

6. " توفير ديناميات تنمي روح العمل الوحدوي بسير متدرج مستند لرؤية بعيدة ، يراكم الخبرات والتجارب ويولد القناعات بجدوى خيار الوحدة.

7. " أن يكون واضحا من البداية بأن مشروع وحدة القوى الديمقراطية هو مشروع وطني، وليس فئوي، ومشروع قائم على أساس التمسك بالبرنامج الوطني، أي أنه مشروع كفاحي، يعبر عن ذاته بالممارسة التي تصعد الكفاح والنضال صد العدو ، مشروع ترى فيه الجماهير الفلسطينية المكافحة شعاعا أوبديلا جديا يستعيد ثقة الشارع التي اهتزت بالعمل الفصائلي".( أنظر الوثيقة الصادرة عن الكونفرنس الوطني العام للجبهة الشعبية ، إصدار الجبهة الشعبية ،1995).

لقد تعمقت قناعة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بهذه المقدمات والشروط اللازمة لوحدة قوى اليسار الفلسطيني ، وخاصة بعد فشل تجربة القيادة الموحدة مع الجبهة الديمقراطية. وقد توقف المؤتمر الوطني السادس للجبهة في تموز عام 2000 أمام هذه التجربة مجددا ، فعمق الأفكار الواردة آنفا ، معتبرا أن طبيعة الصراع الموضوعية وحقائقها المتعلقة بدور البرجوازية الفلسطينية والقيادة السياسية الرسمية وأزمة قوى المعارضة، تفرض استحقاق البديل الديمقراطي ، حيث أن :"مساحة موضوعية هائلة الاتساع ودورا موضوعيا كبيرا ينتظر عاملا ذاتيا مؤهلا ليملأ الفراغ الضخم على المسرح الاجتماعي للتاريخ الفلسطيني في مرحلته الراهنة. دور مقرر اجتماعيا وتاريخيا ألا وهو الارتقاء بالممانعة التاريخية بما هي عليه من حالة موضوعية إلى صراع تاريخي. صراع ينتظر رؤية جديدة تعبر عنه ، وبطل يؤديه ". ولعل هذه المهمة منوطة بالحالة الديمقراطية الفلسطينية ، التي تمتلك بالمعنى النسبي عوامل وأسباب كافية لتشكل بداية جيدة لفتح الطريق أمام الخطوات المطلوبة في إطار عملية عميقة وشاملة تعتبر البديل ليس في وحدة بعض الفصائل الديمقراطية الموجودة ، بل باعتباره خيارا اجتماعيا – تاريخيا شاملا لمواجهة استحقاقات الصراع الشامل وليس جانبا من جوانبه كالسياسي مثلا ممثلا باتفاق أوسلو.أي ضرورة التعامل مع البديل الديمقراطي كمشروع تاريخي للمستقبل ، يرتقي بدوره من مستوى المعارضة السياسية إلى دور الرافعة وحامل مشروع " البديل الوطني الديمقراطي " . وأكدت وثائق المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية ، أن " تخطي الأزمة التي تعاني منها القوى الديمقراطية الفلسطينية ، مشروط بقدرتها على إعادة بناء ذاتها ، وفق استحقاقات البديل الوطني الديمقراطي ، والانتقال من المستوى الفصائلي الضيق إلى المستوى الوطني الشامل، ومن المستوى التنظيمي المحدود إلى مستوى فهمها كعملية بنائية ترتقي عبرها القوى الديمقراطية أو التيار الديمقراطي من مستوى الفعل المحدود لبعض القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية إلى مستوى الحالة الديمقراطية الشاملة لعموم الشعب الفلسطيني ، التي بدونها يستحيل ترجمة مفهوم البديل الوطني الديمقراطي".( نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة . الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . المؤتمر الوطني السادس ، تموز 2000).

إن تجارب توحيد اليسار في فلسطين ، كما عايشتها الجبهة الشعبية ، تبين أنها حديثة بالمعنى الزمني النسبي ، ولكنها غنية من حيث مضامينها ودروسها وعبرها.وإذ تؤكد الجبهة على أهمية توحيد القوى اليسارية في الساحة الفلسطينية وضرورة السعي الجاد من قبل جميع القوى والأطر والشخصيات ذات العلاقة من أجل الوصول الى الوحدة والحفاظ عليها ، فإنها تعتقد جازمة أن لا أفق للمشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني إلا بوحدة اليسار ، وان المصاعب والمشكلات التي تعترض طريق الوحدة يمكن التغلب عليها وتجاوزها إذا ما توفرت إرادة وحدوية قوية لدى أطراف اليسار الفلسطيني.ويهمنا أن نؤكد أن مستوى التقارب الفكري والسياسي والبناء التنظيمي كبير جدا بين تنظيمات اليسار الفلسطيني ، وأن الخلافات والتعارضات يمكن حلها بمزيد من الحوار والنقاش وعلى قاعدة احترام الاجتهاد والتنوع بعيدا عن الرؤى الشمولية التي ستظل تبحث عن تماثل لن تصله أبدا لأنه على تضاد مع طبيعة الأشياء في الوجود الموضوعي الخارج عن إرادة وفكر البشر. ويهمنا في هذه الورقة أن نسجل بعض الدروس والعبر المستقاة من تجربتنا الوحدوية ، والتي نعتقد أنه لا بد من أخذها بعين الاعتبار في المحاولات الجارية أو المستقبلية ، التي نأمل ونناضل كي تتكلل بالنجاح:

1. ضرورة العمل الجاد لتجاوز التباين في المواقف السياسية وخاصة في المنعطفات وفي المسائل التكتيكية

2. الاهتمام بالعامل الذاتي كعامل رئيسي وحاسم على صعيد الوحدة ، والنضال الجاد للتخلص من العصبويات التنظيمية والانشدادات الفئوية الضيقة في المواقف والممارسات عبر عمل تربوي وتثقيفي مشترك يطال كل المستويات القيادية والقاعدية.

3. التصدي للواقع في كل تنظيم وإطار يساري وفي إطار التيار اليساري العام .

4. الاهتمام بالتجديد الفكري والمواقف والبنى والهيئات القيادية والسياسات وأشكال وأساليب العمل باتجاه تعزيز الديمقراطية الداخلية.

5. توفير رؤية شاملة ومتكاملة قدر الإمكان قائمة على أساس علمي مخطط لخطوات العملية التوحيدية يستفيد من دروس وعبر التجربة السابقة.

6. اعتماد الأسلوب الديمقراطي الذي يعتد المكاشفة والمصارحة والعمل من القمة والقاعدة معا وعلى أساس التدرج في خطوات التوحيد بما ينسجم مع نضوج العامل الذاتي.

7. الاهتمام بصياغة آليات مناسبة لاحتواء التعارضات والتناقضات الناشئة واعتماد الحوار الديمقراطي والنفس الطويل في معالجتها، والحرص على وجود انسجام قيادي .

8. العمل بجد ونشاط لبناء حوافز بناء المشروع الوحدوي ، وبحيث تمثل القيادة نموذجا يحتذى من قبل الكادرات والقواعد الحزبية.

9. أن تجري عملية التوحيد وبناء الإطار الموحد في خضم خوض النضال الوطني التحرري الكفاحي والاجتماعي الديمقراطي وبما يحقق أوسع عملية تحشيد جماهيري يساهم في تشكيل سياج لحماية الوحدة.

من نحن وأي يسار نريد ؟؟

التيار الوطني الديمقراطي التقدمي

ورقة مقدمه من: عصام العاروري

حزيران / 2009

الضيوف الكرام

الرفيقات والرفاق، الصديقات والأصدقاء

اسعدتم أوقاتاً وبعد :

ترددت وتأخرت كثيراً في اعداد هذه الورقة، كي أتجنب التكرار مع أوراق أخرى، وكي لا أكتب كلاماً انشائياً يعكس أمنيات جميلة أو لا يضيف جديداً .

فنحن، سواء في اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر، أو اللجنة التحضيرية للتيار الديمقراطي التقدمي، نشطاء من مشارب مختلفه، بعضنا ترك موقعه التنظيمي في هذا الحزب أو ذاك، وبعضنا الآخر ما زال عضواً اسمياً أو فعلياً أو ربما في هيئه قيادية لحزب ما، وبعضنا الثالث لم يكن في ايما حزب سابقاً.

كثيرون منا عملنا ضد بعضنا بعضاً، تنافسنا بوسائل شريفة وربما غير شريفة احياناً ، واصابتنا عدوى الفئوية بدرجات مختلفة، فالفئوية في حركتنا الوطنية قد تفسر أنها من قبيل الانضباط الصارم أو التحزب، وربما يكون المصاب بها أكثر قابلية للإرتقاء في المراتب القيادية، ولكن هذه الحالة جزء من أسباب الاغتراب المتنامية لدى قطاعات واسعة من كوادر القوى المصنفة بأنها يسارية في فلسطين، والذين تشتت قسم كبير منهم اسوة بالمثقفين الثوريين في هذا الوطن، الذين ضاقت بهم سبل العيش، ومنهم من سعى هو أو حزبه للالتحاق بوظيفة ما في أجهزة السلطة، وهذا حق لهم كمواطنين ولكنه جاء غالباً كجزء من انخراط اليسار بحثاً عن حصة في النظام الزبائني الذي تطور بعد أوسلو ونشوء السلطة، في حين أن البعض الآخر وجد ملاذاً في المنظمات غير الحكومية، التي أوغل البعض بعد الإنخراط فيها في المبالغة بالابتعاد عن العمل السياسي لأسباب مختلفة، في حين تعرض بعض ثالث للإنسحاق على المستوى المجتمعي وكانت النتيجة تغريب جزء كبير من هؤلاء عن هموم الشعب ونضالاته، بل أن الفئتين الأوليين باتت تفصلهما عن هموم الناس حواجز وحواجز، وحتى اولئك الذين حافظوا على مواقع ما في الأطر الشعبية مثل اتحادات العمال والمرأة والطلبة وغيرها،انما دخلوها من باب المحاصصة التي هي أحد أوجه النظام الزبائني، باعتبار الزبائنية حاضنة الفساد وسوء الأداء وغياب العدل وتشويه مبدأ المواطنه، وهؤلاء ورغم اشغالهم مواقع قيادية في اتحادات يفترض أنها تمثل قطاعات مجتمعية الا أن غربتهم تعمقت عن القطاعات التي لم يعد أحد يمثلها، وباتت التيارات الدينية ملاذ الساخطين على الفقر والتهميش مع نشوء الأغنياء الجدد ومنتجات الفساد بشتى صوره وأشكاله.

أجل نحن من هذه المشارب، ولكن ما يجمعنا هو السخط على حاله التهميش هذه والتي ينتج عنها تراجع التأثير والوزن، بحيث بات دور كل من يقع بين الفئتين الأكبر في مجتمعنا، اللتين تسببتا في اقتتاله وقادتاه عبر معارك خاسرة، بات هذا الدور يقتصر على التمني على تينك الفئتين أن تتصالحا، مع أن الحديث لا يدور عن مصالحة مبنية على المساءلة، بل عن إعادة تقاسم الوطن ومقدراته، ولذلك وفي حين كان هناك حرص شكلي على مشاركة واسعة في اطلاق حوارات القاهرة فإنها عادت اليوم لمساومات ثنائية لإعادة تقسيم الوطن المقسم وفق توازنات القوى الناشئه جراء توظيف قوتي القمع والمال المدعومة اقليمياً ودولياً ، لدرجة باتت معها استقلالية القرار الفلسطيني كذبة كبرى.

إن ما يجمعنا هو السخط على حالة انعدام الوزن والتأثير، والقلق على مستقبل بناتنا وأبنائنا الذين يترعرعون في أجواء لا تمنحهم أي وعد بمستقبل آمن وحياة كريمة، في وطن يزداد اعتماداً على المنح الانسانية لمجرد البقاء على قيد الحياة، ومجتمع يعاني من فرض قيود متزايدة على حرياته، بحث أصبح شعر الفتاة ولباسها اعباءاً عليها، ويمكن أن ترسب في المدرسة أو الجامعة إذا لم تلبس زياً معيناً، لم يكن يوماً زينا التقليدي وليس جزءاً من حضارة هذا الشعب ، كما وأصبح المحظوظ من شبابنا هو من تفتح له أحدى السفارات الاجنبية أبواب الهجرة هرباً من واقع مؤلم ومستقبل لا يحمل لهم وعداً.

اننا نؤمن أن شعبنا يستحق خياراً غير الاستبداد والفساد، وهما وجهان لعملة واحدة يتبادلان المواقع، بينهما خيط دقيق ، ان ملخص فكرتنا يقوم على فرضية أن مستقبل شعبنا يتطلب وحدة كل التقدميين والعلمانيين، وأن ما يعيق ذلك هو المصالح الذاتية لفئات بيروقراطية تستفيد من حالة التشتت والتشرذم، وهي حاضرة بقوة، ولها مصلحة قصيرة المدى أن تبقى الامور على حالها، وكل من هو ليس أسير هذه الحالة له مصلحة كبرى، بل مصيرية، لبناء كتلة كبرى من أجل التغيير، تكسر الحواجز الفئوية المصطنعة والتي باتت تحمي المصالح البيروقراطية.

وحين تجمعنا معاً وبدأنا حواراتنا سئلنا العديد من الأسئلة وكان منها:

1. هل تسعون إلى تأسيس حزب جديد، وهل ينقص الساحة الفلسطينية أن تكونوا رقم 13 أو 17 وأعذروني لأني أجهل الرقم؟

2. هل أنتم واجهة لحزب ما يحاول الالتفاف على جمهور المستقلين وأن يخدعهم؟

3. هل أنتم قوة ضغط على القوى لمحاولة دفعها من أجل التوحد؟

4. لماذا لدى العديدين منكم انتماءات مزدوجة، من حيث كونهم أعضاء في تنظيمات قائمة؟

5. هل أنتم حردانين من التنظيمات وتبحثون عن مواقع لكم خارجها؟

اننا حقاً نملك هدفاً، وإذا كانت ليست لدينا اجابات على كل شيء ، لأن عصر الأجوبة الجاهزة والمعلبة وعصر القيادات التي تقطر حكمة وتوزعها على الاتباع قد ولى، الا اننا نملك أجوبة على الاسئلة أعلاه، وجميعها بالنفي، فنحن لا نسعى لأن نكون الفصيل الثالث عشر أو السابع عشر، وشعبنا كما تظهر استطلاعات الرأي قد مل الموجود ولا تنقصة الشرذمة ولديه أكثر مما يحتمل.

ونحن قطعاً لسنا واجهة ولا أداة ولا يرضى أي منا أن يكون كذلك، علماً بأن أصحاب هذه النظرة لا يرون في الشعب غير ادوات تسخر، وليس شريكاً وليس مصدراً لا ينضب من الطاقات المبدعة.

كما لا نرضى أن نكون مجرد أداة ضغط، ينتهي دورها بالنجاح أو الفشل.

اننا نسعى لبناء الجديد استناداً إلى التراث اليساري والتقدمي لعشرات، بل مئات الآلاف، من بنات وأبناء هذا الشعب، ومنه كل ما هو ايجابي في تاريخ القوى اليسارية الفلسطينية، ولكن قبل أن يتلاشى هذا التاريخ، والذي نحن جزء منه وشركاء فيه، بايجابياته وسلبياته.

اننا نرى علينا واجباً أن ننقل الشعلة إلى الأجيال الجديدة وأن نمنحهم أملاً .

اننا نعتقد بأن الطريق إلى ذلك ليس سهلاً، ويجب أن يبدأ بدفع الثمن الضروري لكسر النظام البوليسي، والانسلاخ عن الزبائنية والمحاصصة، والنضال من أجل حقوق المواطنين لا من أجل حقوق قيادة هذا التنظيم أو ذاك.

اننا بحاجة إلى اطلاق حراك شعبي واسع لاستعادة مشاركة الناس في مقاومة جماهيرية منظمة وطويلة الأمد ضد الاحتلال، مستعدة لدفع القدر الضروري من التضحيات ولكن ليس من أجل المتاجرة بالدم، وأن نقول كلاماً واضحاً حيال ما يجوز وما لا يجوز من أساليب المقاومة وأن نميز بين المقاومة وبين المتاجرة بدماء الناس وعذاباتهم، وأن نرفد كل ذلك بحملة مناصرة دولية من أجل فرض العزلة على الاحتلال العنصري، باعتبارنا جزءاً من حركة ثورية عالمية بحاجة إلى اعادة بلورة وبناء في مواجهة الامبريالية.

كما نحتاج إلى التمسك بشجاعة بالمثل التقدمية وأن نرفض الوصاية على أخلاق الناس ولباسهم وطعامهم وشرابهم وحرياتهم الفردية في التعبير والقول والابداع، وأن لا نجبن ونتخاذل في المعارك الاجتماعية.

نعم اننا نعمل من أجل كل هذا، ومستعدون للسير مع من هو جاهز لذلك، ولا نرهن حركتنا بالاجماع لانها لن تكون كذلك ولن نضع حركتنا رهناً لاتفاق الفصائل، وإلى أن يحسم كل أمره نقبل إزدواجية العضوية، حيث أن يدنا ممدودة لكل من يؤمن ويعمل من أجل هذه القيم.

هل تفتح الأزمة الإقتصادية العالمية آفاقاً جديدة أمام اليسار؟

ورقة مقدمه من: داوود تلحمي

حزيران / 2009

بعض المعلّقين على الإنفجار العلني، في مطلع الربع الأخير من العام 2008، للأزمة المالية والإقتصادية العالمية، التي انطلقت من الولايات المتحدة، وسبق وظهرت تجلياتها الأولى قبل عام على الأقل من هذا التاريخ، أجرى مقارنة رمزية بين هذه الأزمة بالنسبة للعالم الرأسمالي وبين انهيار جدار برلين بالنسبة لتجارب التحول الإشتراكي في الإتحاد السوفييتي والدول الأوروبية الشرقية التي كانت حليفة له.

وربما رأى البعض في معسكر اليسار المناهض للرأسمالية، عبر هذه الأزمة، احتمالات صعود متجدد للخيار اليساري، لشق طريق جديد نحو تجاوز النظام الرأسمالي والإنطلاق للتمهيد لمشروع تحول إشتراكي جديد، يستفيد من أخطاء وثغرات ونواقص التجربة السوفييتية، وخاصة في مجال المشاركة الشعبية في القرار وفي الإدارة، أي على صعيد تحقق الديمقراطية الشعبية الحقيقية، كما يتجاوز الرؤية الإرادوية، اللاتاريخية، لعملية الإنتقال المفترض نحو الإشتراكية.

ولكن العديد من كبار المثقفين والمحللين اليساريين الجذريين، أي المناهضين للنظام الرأسمالي، وخاصة أولئك المتابعين للشأن الإقتصادي، كما للأوضاع السياسية في مناطق العالم المختلفة، رأوا أنه، وبمعزل عن عمق الأزمة الإقتصادية الراهنة للنظام الرأسمالي، والتي يبدو أنه ليس من السهل تجاوزها بشكل كامل، فإن المعطيات لا تشير الى استعدادية قطاعات واسعة من الشعوب والفئات الإجتماعية المتضررة من هذه الأزمة، ومن سياسات النظام الرأسمالي عامةً، وخصوصاً من سياسات الليبرالية الجديدة والعولمة الرأسمالية التي انتشرت في أنحاء العالم في العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، استعدادية للإنخراط في صفوف قوى وتيارات تطرح تجاوز النظام الرأسمالي وإعادة الإعتبار للخيار الإشتراكي، بصورته الجديدة، أي إشتراكية الديمقراطية الشعبية. هذا على افتراض توفر هذه الأطر التنظيمية الملائمة التي يمكن أن تستقطب الفئات المستعدة للإنخراط في هذه العملية النضالية في بلدان العالم المختلفة. وهنا علينا أن نستثني من هذا الحكم منطقة جغرافية واحدة، هي منطقة أميركا اللاتينية، التي بدأ فيها التمرد والإنتفاض على تطبيقات "الليبرالية الجديدة" منذ أواخر القرن المنصرم والسنوات الأولى للقرن الجديد، كما بدأت فيها تتبلور، وإن بشكل أولي، ملامح الخيار الإقتصادي - الإجتماعي الجديد، الذي أطلق عليه أصحابه تسمية "إشتراكية القرن الحادي والعشرين".

أما في مناطق العالم الأخرى، سواء العالم الرأسمالي المتطور وبلدان المركز الرئيسية، الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وبعض البلدان الأخرى القريبة منها، أو في باقي مناطق "العالم الثالث" أو "الجنوب"، فالوضع أقل استعداداً وأقل إمساكاً بأهمية الإستعداد، بالرغم من النشاطات الواسعة التي شهدتها قارات العالم المختلفة طوال العقدين الماضيين، وخاصة منذ أواخر القرن المنصرم، على صعيد التحركات المناهضة للعولمة الرأسمالية ولمؤسساتها الرئيسية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وقمم الدول الصناعية المتطورة الخ...، وتلك الحركات المدافعة عن حقوق الشعوب وعن القطاعات المغبونة المختلفة في أنحاء العالم، كما عن البيئة البشرية عامةً، التي اضرت بها قرون من التطور الرأسمالي والصناعي المحموم وغير الآبه بالكلفة الكبيرة لهذا التطور على صعيد البشر والبيئة المحيطة بهم على حد سواء.

ومن الواضح أن الأمر سيستغرق وقتاً أكثر حتى يتبين لقطاعات المتضررين الواسعة من هذه الأزمة أن العلاج، حتى يكون ناجعاً، ينبغي أن يكون جذرياً في نهاية المطاف. أي ان الأزمة ليست فقط أزمة "الليبرالية الجديدة" ومظاهر التسيب والفوضى والجشع المقامر التي مارستها الطغم المالية المختلفة المسيطرة على الإقتصاد العالمي بشكل متزايد والميالة لاعتماد أشكال المضاربة والتلاعب بأموال الناس لتحقيق أرباح سريعة وضخمة لا تُقارن بالأرباح التي توفرها المجالات الإنتاجية الفعلية، وإنما هي أزمة تظهر هشاشة النظام الرأسمالي بمجمله، ببنيته الإقتصادية القائمة على مراكمة الأرباح وزيادتها في كفة قلة من الناس، متزايدة التضاؤل حجماً وعدداً مع مرور الزمن، ومراكمة الخسائر والتراجع في المداخيل ومستوى العيش لدى الغالبية الكبرى، التي تزداد أعدادها نسبياً في الوقت ذاته.

***

وربما تحقق هنا وهناك بعض التقدم أو بعض التحسن في أوضاع اليسار الجذري. ولكن المشهد العام لا يذهب بهذا الإتجاه، كما سنرى في الحديث عن المؤشرات التي توفرها، مثلاً، بعض العمليات الإنتخابية التي جرت في الأشهر والأسابيع الأخيرة في عدد من مناطق العالم، مع إدراكنا سلفاً لعدم دقة هذه المؤشرات لأسباب بالإمكان إيضاحها.

وفي البداية، لا بد من الإشارة الى أن نجاح أول مرشح رئاسي من أصل إفريقي في الولايات المتحدة والطروحات التي تقدم بها في مجالات مختلفة، سواء في المجال الإقتصادي أو في التعاطي مع القضايا والصراعات الدولية وسياسة الولايات المتحدة في العالم، هذا النجاح ساعدت عليه، جزئياً، تفاعلات الأزمة الإقتصادية في الولايات المتحدة، والتي أطاحت، وإن كان من الممكن أن تكون هذه الإطاحة مؤقتة، بالتيار الأكثر يمينية وعدوانية في الخارطة السياسية الأميركية والذي مثّلته إدارة جورج بوش الإبن. أي إن التغيير الذي حصل في الولايات المتحدة على صعيد القمة التنفيذية هو، بشكل نسبي، تراجع لليمين الأميركي المتطرف، وإن لم يكن من المتوقع أن يُسجّل كنجاح لأي يسار، حتى ولو ما يُسمى بيسار الحزب الديمقراطي الأميركي.

لكن الأهم من هذا التغيير الفوقي الذي له طابع تكتيكي وظرفي من قبل أصحاب القرار الأساسيين في هذا البلد الرأسمالي الضخم في المجالين الإقتصادي والإستراتيجي، هو التغيير الذي يمكن أن يحصل على صعيد وعي الشارع الأميركي، وهي مسألة غير مرئية وغير ملموسة حتى الآن.

ومن المفيد أن نذكّر أن الأزمة الإقتصادية العالمية الكبرى في ثلاثينيات القرن الماضي فتحت أبواباً لتطور مناخات يسارية في عدد من بلدان العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة، التي تنامت فيها في تلك الحقبة قوى اليسار الجذري والحركات العمالية والنقابية، لكن هذه القوى والحركات تعرضت بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة في مرحلة المكارثية والعداء للشيوعية والإتحاد السوفييتي، لعملية تصفية واسعة، تواصلت في المراحل اللاحقة بأشكال مختلفة، مثلاً ضد قوى التمرد الجذرية في أوساط الأميركيين من أصل إفريقي، خاصة في الستينيات الماضية. وربما كانت مفارقة الأزمة الكبرى الجديدة، في هذا السياق، أن يقود رجل من أصل إفريقي محاولة إخراج البلد من الأزمة واستعادة الرأسمالية الأميركية لعافيتها واستعادة الدور الإمبراطوري الأميركي العالمي لشيء من المصداقية النسبية، بعد أن بددها اليمين الأميركي المتطرف خلال السنوات السابقة، وبعد أن بدأ التفرد الأميركي بالسطوة العالمية يتراجع شيئاً فشيئاً لصالح تعددية قطبية بدأت ملامحها في الظهور خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة خاصة.

***

وإذا أخذنا القارة الأقدم ومهد التطور الرأسمالي الأول، القارة الأوروبية، فإن مستوى الوعي التاريخي الأكثر تقدماً في مجتمعات هذه القارة منه في الولايات المتحدة وتراكم خبرات وتجارب اليسار فيها لم يوفّرا بعد أرضية نهوض عام متجدد لليسار، بعد الإنعكاسات المأساوية لانهيار التجربة السوفييتية على وضع اليسار التاريخي في هذه القارة، من جهة، والتراجع الذي عانى منه، من جهة أخرى، بفعل هجمة مرحلة العولمة الليبرالية الجديدة في هذه القارة على قوى اليسار والنقابات العمالية منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات الماضية.

وإذا أخذنا ردات الفعل على الأزمة الإقتصادية العالمية، التي أصابت بقوة عدداً من البلدان الأوروبية، وخاصة بلداناً مثل أيسلندا وإيرلندا وإسبانيا وبلدان أوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق، ولم تترك البلدان الأخرى بمعزل عن تأثيراتها السلبية طبعاً، في مجال ارتفاع نسب البطالة وتزايد الفقر وتراجع وتائر الإنتاج والإستهلاك، فبإمكاننا أن نعتبر إذا أخذنا، كمؤشر تقريبي وأولي، انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة في 7/6/2009، أن قوى اليمين الرأسمالي التقليدية، وأحياناً بعض قوى اليمين المتطرف المعادي للهجرة الأجنبية وللإسلام (كما هو الحال بالنسبة لأحد الأحزاب الفائزة في هولندا)، هي التي استفادت في الأمد القصير من الجزع الذي أصاب قطاعات واسعة من الجمهور الشعبي نتيجة انعكاسات الأزمة. حيث حققت أحزاب اليمين الحاكمة في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبولندا نجاحاً ملحوظاً في هذه الإنتخابات، في حين حققت أحزاب يمينية أخرى في بلدان تحكمها أحزاب التيار الإجتماعي الديمقراطي، أي ما يعرف بيسار الوسط، تفوقاً ملموساً على هذه الأحزاب الحاكمة، وهو ما حصل في بلدان مثل إسبانيا والبرتغال وهولندا والمجر، وطبعاً بريطانيا، حيث جاءت قوى اليمين في المرتبة الأولى قبل الأحزاب الحاكمة من يسار الوسط. ويمكن هنا تسجيل حالة استثناء رئيسية واحدة على هذه القاعدة هي اليونان، حيث حقق حزب "باسوك"، يسار الوسطن، نتائج متقدمة على الحزب اليميني الحاكم، حزب الديمقراطية الجديدة. ويمكن إضافة حالة خاصة أخرى في بلد صغير نسبياً مثل قبرص، حيث حافظ حزب اليسار الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية، حزب "أكيل"، نتيجة متناسبة مع قوته التاريخية المعروفة، في حين حقق أبرز أحزاب اليمين المنافس له نتيجة متقدمة أيضاً.

وعلى صعيد قوى اليسار الجذري، يمكن القول أن النتائج تفاوتت بين بلد وآخر، وإن كانت القاعدة العامة هي غياب النهوض المفترض في ظل أزمة إقتصادية طاحنة كهذه. فاليسار الجذري حقق نتائج معقولة في بعض بلدان جنوب أوروبا مثل البرتغال واليونان، وفي بلد من وسطها مثل جمهورية التشيك، بينما لم يحقق نتائج إيجابية في أحد معاقل اليسار التاريخية، إيطاليا، حيث لم يتمكن اليسار الجذري من الإبقاء على أي حضور له في البرلمان الأوروبي. وكذلك الأمر الى حد ما بالنسبة لليسار الجذري في إسبانيا، حيث كان النجاح في التمثيل متواضعاً ولم يشهد تطوراً يذكر عن الإنتخابات الماضية. أما في فرنسا، المعقل التاريخي الآخر لليسار الجذري في أوروبا، فقد برزت هناك ظاهرة ملفتة للإنتباه وجديدة الى حد معين بالنسبة للبلد، حيث جاء تجمع مدافع عن البيئة، يضم تيارات ورموز عدة من مناهضي العولمة الرأسمالية أيضاً وبقيادة حالة كاريزمية، ء في المرتبة الثالثة من حيث نسبة الأصوات بين أحزاب البلد، وبفارق ضئيل جداً عن الحزب الذي جاء في المرتبة الثانية، الحزب الإشتراكي، الذي شهد إحدى أكبر انتكاساته في العقود الأخيرة في هذه الإنتخابات.

وما يمكن قوله بشكل مختصر هو أن الشعور المتزايد بالقلق لدى قطاعات واسعة من الجمهور في البلدان الأوروبية لم يدفعها في هذه المرحلة الى خيارات جذرية، أي الى المطالبة بتجاوز النظام الإقتصادي الحالي، الرأسمالي، وهو خيار مجهول بالنسبة لها، حيث لم يعد هناك نموذج ملموس لما يمكن أن يكون عليه بلد يتخلى عن الرأسمالية، خاصة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي لم تكن بنيته السياسية، على أية حال، جذابة للجمهور في أوروبا الغربية، ناهيك عما جرى مع جمهور البلدان التي كانت تعيش تجارب تحول إقتصادي على النمط السوفييتي، والذي اتجه في غالبيته نحو اليمين. من جهة أخرى، تبقى بالنسبة للجمهور الأوروبي تجارب أميركا اللاتينية وآسيا (الصين، فييتنام،...) تنتمي الى "العالم الثالث" ولها سماتها الخاصة، ولم تحقق بعد نموذجاً لنظام متطور إقتصادياً وسياسياً واجتماعياً يمكن أن يكون معياراً جذاباً للمواطن الأوروبي، وإن كان هناك في بعض الأوساط الشعبية بعض التعاطف مع هذه التجارب، كلها أو بعضها. ولذلك، وخوفاً من المجهول، وإزاء وضع معيشي متدهور يوماً بعد يوم، ومستقبل مقلق غير مضمون، وغياب آفاق الخروج السريع من الأزمة، مالت قطاعات واسعة من الجمهور الأوروبي، بما في ذلك من الشغيلة والموظفين وصغار المنتجين، الى المراهنة على اليمين الحاكم، أو المجرّب سابقاً، والذي تمكّن في الماضي من تجاوز أزمات النظام الرأسمالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدون هزات كبيرة. وقد ابتعدت غالبية هذا الجمهور عن أحزاب يسار الوسط، في معظم الحالات، كما أشرنا، ربما لأن هذا التيار السياسي لا يملك ما يملكه اليمين من تعاضد وقوة دولية على صعيد تكافل رأس المال العالمي، الأميركي - الأوروبي – الياباني والبلدان الرأسمالية المتطورة الأخرى، وهو تكافل يبدو للجمهور أنه ضروري لكون اقتصاديات هذه البلدان متداخلة في عصر العولمة الرأسمالية، ولكون الأزمة أظهرت هذا التشابك الدولي الواسع بتمددها السريع من الولايات المتحدة الى بلدان العالم الرأسمالي المتطور الأخرى.

ويمكن هنا التدقيق بعض الشيء في الحالة الألمانية، وألمانيا هي طبعاً الإقتصاد الأوروبي الأكبر والبلد الأكثف سكاناً في الإتحاد الأوروبي: فقد حقق الحزب اليميني الرئيسي الحاكم، الإتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري، نتيجة متقدمة جداً على الحزب الإجتماعي الديمقراطي (حزب يسار الوسط). كما حقق حزب اليمين الليبرالي، الحزب الديمقراطي الحر، نتيجة متقدمة، وإن أقل قليلاً من حزب "الخضر"، ولكن أكثر من حزب اليسار، المتشكل قبل عامين، والذي كان في استطلاعات الرأي في العام الماضي يبدو مرشحاً لاحتلال موقع الحزب الثالث في البلد. ومن المفترض، نظرياً، أن ضعف المشاركة في الإنتخابات، وهو ما كان عليه الحال في معظم البلدان الأوروبية خلال هذه الإنتخابات، بما في ذلك في ألمانيا، يعطي أفضلية للأحزاب ذات الهوية الواضحة، التي يلتزم أعضاؤها وأنصارها عادةً بالمشاركة في الإقتراع أكثر من الجمهور المتوسط المتأرجح في خياراته بين عدد من الأحزاب، فإن الصورة تبدو أكثر دلالة على صواب التقدير بأن المواطن الأوروبي، بشكل عام، لم يتجه نحو اليسار، باستثناء بعض البلدان القليلة التي أشرنا اليها أعلاه، حيث شهد بعض البلدان ثباتاً أو بعض التقدم في الوزن الإنتخابي للأحزاب اليسارية الجذرية، ولكن بقي هذا التقدم ضمن حدود معينة لا تؤشر لحركة شعبية واسعة بهذا الإتجاه، على الأقل حتى الآن.

***

أما في العالم الثالث، والمقصود تحديداُ بعض بلدان آسيا وبلدان إفريقيا عامةً، بما يشمل منطقتنا العربية، فإن الأزمة الإقتصادية في هذه المناطق تأتي لتتراكم فوق جملة من الأوضاع المتأزمة التي كانت تعيشها العديد من بلدان هاتين القارتين قبل انفجار الأزمة، سواء بسبب الفقر وقلة التطور أو قلة الموارد أو الفساد المستشري والإستغلال الخارجي المستمر، وهو ما ظهّرته في السنوات الأخيرة تلك المشكلات الناجمة عن أزمة الغذاء وارتفاع أسعار المواد الغذائية. ويبدو من الصعب، حتى الأن، رصد صعود ملحوظ لليسار في هذه البلدان، إذا وجد، باستثناءات ظواهر محدودة لأوضاع بلدان محددة.

ويمكن هنا، مثلاً، أن نسجّل حالة جنوب إفريقيا التي شهد الحزب الحاكم فيها، المؤتمر الوطني الإفريقي، تنامياًً للتيار اليساري داخله وهو التيار الذي يدعو الى اهتمام أكبر بوضع المواطنين البسطاء وتجاوز التركيز السابق على التطور الإقتصادي العام للبلد (ماكرو-إكونوميك)، الذي هو في النهاية تطور يمس شريحة ثرية من البيض وبعض السود دون تحسن ملموس في وضع الغالبية الساحقة من المواطنين، وخاصة السود منهم.

وهناك بعض الجوانب المشتركة في وضع بلد عملاق مثل الهند، من زاوية كون التنمية الجارية هناك بوتائر عالية نسبياً في السنوات الأخيرة أفادت، بالدرجة الأولى، القطاعات العليا وبعض الفئات الوسطى، ولم توفر تنمية متكافئة لكافة قطاعات المجتمع. ولكن العملية الإنتخابية الأخيرة التي جرت في هذا البلد خلال شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو 2009 لم تقد الى تحولات لصالح اليسار، بل لصالح الحزب الرئيسي الحاكم، حزب المؤتمر الوطني الهندي، الذي قادت حكومته في السنوات الماضية عمليات خصخصة وتنمية وفق وصفات "الليبرالية الجديدة"، مما لم يستفد منه اليسار الجذري الذي دعم هذه الحكومة في سنواتها الأربع الأولى، وهو اليسار الذي يشارك في العملية الإنتخابية، والذي خسر الكثير من نوابه ومواقعه في هذه العملية الأخيرة، بحيث حقق أبرز أحزاب هذا التيار، الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) أضعف حضور له في البرلمان الهندي منذ العام 1967، أي عملياً منذ نشأة هذا الحزب في العام 1964. ومن المبكر الحكم إذا ما كانت هذه الظاهرة الإنتخابية عرضية أو أكثر عمقاً، حيث انها ارتبطت بجملة من الإشكالات التي حصلت بشكل خاص في ولاية البنغال الغربي التي يحكمها اليسار الجذري منذ أكثر من ثلاثة عقود، منذ العام 1977، بلا انقطاع. وكل شيء يتوقف على الدروس التي يستخلصها اليسار الهندي مما حصل في العملية الإنتخابية.

وتنبغي الإشارة هنا الى ظاهرة قد تتطور، وقد تتراجع، في بلد بهذا الحجم، خاصة إزاء تفاقم أوضاع سكان الريف، حيث يجري، في حالات عديدة، انتزاع الأراضي من المزارعين لصالح الشركات والمشاريع الكبرى. والظاهرة المقصودة هي ظاهرة العمل المسلح، وهي ظاهرة قديمة نسبياً، حيث بدأت منذ الستينيات الماضية بشكل أو بآخر، ولكنها شهدت انتعاشاً في السنوات الأخيرة بسبب ما ذكرناه من تنمية إقتصادية غير متكافئة يدفع ثمنها فقراء الريف بشكل خاص. ومن الصعب المقارنة على هذا الصعيد مع بلد متاخم أصغر كثيراً من الهند وأقل تطوراً، وكان يعيش وضعاً استبدادياً متخلفاً، مما فتح المجال أمام نمو الحركات اليسارية الجذرية في هذا البلد، بما فيها تلك التي مارست العمل المسلح ولقيت تجاوباً شعبياً واسعاً، والمقصود طبعاً هو النيبال، المملكة السابقة التي باتت الآن جمهورية.

***

أما في المنطقة العربية، فبالرغم من وجود سمات خاصة بكل بلد، إلا انه يمكن الحديث عن اتجاه عام يجعل التدهور في الوضع المعيشي، وفي الأوضاع السياسية والإجتماعية عامةً، يصب في الغالب لصالح اتجاهات دينية، استطاعت في العديد من البلدان العربية أن تستقطب الإستياء الناجم عن ممارسات السلطات الحاكمة لصالحها، فيما لم تتمكن قوى اليسار، في غالبية الحالات، من أن تلعب دوراً بارزاً، حتى في البلدان التي كان فيها حضور قوي لهذا اليسار في مراحل تاريخية سابقة. فقد عانى اليسار العربي عامةً من جملة من العوامل الذاتية والموضوعية، من بين أبرزها انعكاسات انهيار تجربة الإتحاد السوفييتي، الذي كان يُعتبر مرجعاً نظرياً وسياسياً وسنداً هاماً لغالبية اليسار، ومصدر دعم لبعض القوى الحاكمة، في المنطقة العربية.

وإذا كانت القوى الإستعمارية القديمة والجديدة قد استخدمت بعض القوى الدينية في المنطقة العربية- الإسلامية في الماضي في صراعها مع الإتحاد السوفييتي ابان ما يُعرف بـ "الحرب الباردة"، كما حصل على سبيل المثال في حالة مواجهة القوات السوفييتية في أفغانستان بين العامين 1979 و1989، فإن من غير الدقيق التعامل مع كافة القوى الدينية في منطقتنا بنفس المعيار. فهذه القوى ليست متجانسة في مواقفها السياسية وفي مستوى تطور وعيها السياسي. فالفرق شاسع، مثلاً، بين حزب الله في لبنان وبعض القوى الأصولية المنغرسة في الماضي وقليلة الوعي بمجريات الأمور في المحيط الإقليمي والعالمي، والتي شارك بعضها في الحرب التي دعمتها الولايات المتحدة على الوجود السوفييتي في أفغانستان، وانتقل بعضها لاحقاً الى مواقع العداء للولايات المتحدة. هذا وتتعاطى أطراف سياسية دينية أخرى مع الأوضاع في بلدانها والمنطقة بأساليب براغماتية، متفاوتة الفعالية بين بلد وآخر، بما في ذلك في التعاطي مع تحديات الهجمة الإمبريالية على المنطقة العربية – الإسلامية محاولات الإستحواذ على مواردها الطبيعية، وخاصة النفط والغاز الطبيعي.

وإذا أخذنا الإنتخابات اللبنانية التي جرت في مطلع حزيران/يونيو 2009، على سبيل المثال، ونحن هنا نتحدث عن بلد صغير نسبياً واستثنائي في المنطقة من حيث تركيبته المتنوعة على الصعيد الديني والمذهبي، نرى أن الإصطفاف اتخذ في غالب الحالات طابعاً طائفياً ومذهبياً في هذه الإنتخابات، بمعزل عن مستوى التطور الثقافي والإقتصادي المتقدم نسبياً لهذا البلد مقارنة ببلدان أخرى في المنطقة. ويمكن تسجيل ملاحظات شبيهة حول الوضع في العراق، مع فارق وجود أقلية قومية واضحة المعالم، هي الأقلية الكردية، وضعف حضور الأقليات الدينية والإثنية الأخرى غير الطائفتين الكبريين، الشيعية والسنية، واستمرار الوجود الإحتلالي الأميركي.

ومن المبكر الخروج بأي استنتاج عن تنامي أي طرف يساري في مجمل هذه المنطقة بفعل الأزمة الإقتصادية، التي لا تُلمس، على أية حال، سوى كونها مفاقمةً أو تطوراً كمياً إضافياً على أوضاع مأزومة سابقة تعيشها غالبية بلدان المنطقة، كما سبق وذكرنا. ويلفت الإنتباه هنا أيضاً تنامي تيار ديني براغماتي وصل الى سدة الحكم في بلد إسلامي مجاور للمنطقة العربية ولأوروبا على حد سواء، وهو تركيا، في ظل نظام موروث منذ تأسيس الجمهورية التركية في العشرينيات والثلاثينيات الماضية على يد كمال أتاتورك يقوم على العلمانية وعلى التوجه نحو الغرب. وقد تنامت النزعة الدينية في السنوات الأخيرة في هذا البلد بالرغم من كونه شهد تطوراً إقتصادياً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة وضعت البلد في مرتبة متقدمة (المرتبة 15) من حيث حجم الناتج القومي الداخلي الإجمالي.

***

ويبقى أن نشير، أنه، بمعزل عن قدرة النظام الرأسمالي على تجاوز الأزمة الإقتصادية الراهنة، وهذا احتمال وارد، إلا أن هذا التجاوز لن يزيل، على الأغلب، عناصر الإختلال التي قادت الى هذه الأزمة، والتي يمكن أن تتجدد بأشكال أخرى، وربما حتى بصيغ أكثر حدةً في مراحل قادمة. ومن المفترض أن يكون اليسار في العالم، بالتالي، أكثر استعداداً في السنوات القادمة لاستقطاب هذه الظاهرة وتحويلها لصالح مشروعه الجذري، أي لصالح تجاوز النظام الرأسمالي ولصالح التحول نحو توفير مقدمات الإنتقال نحو نظام أكثر عدلاً على الصعيد العالمي، وباتجاه المساهمة في هذه المهمة الكبرى لرسم معالم ما أسماه طليعيو أميركا اللاتينية "إشتراكية القرن الحادي والعشرين".

وفي هذا السياق، أعتقد أن ما طرحه المفكر اليساري المصري البارز سمير أمين في إحدى مداخلاته في أواخر العام 2008 حول المهمات المباشرة لقوى اليسار والقوى الشعبية في المرحلة الراهنة يبقى مهما. ويمكن تلخيصه بالعناوين التالية:

  • العمل على إعادة تنظيم وحدة الشغيلة في كل بلد عبر إيجاد أشكال تنظيمية ملائمة للمرحلة الجديدة، التي ستبقى، على الأرجح، تتميز بتنامي نسب البطالة وغياب الإستقرار في فرص العمل وفي الوضع الإقتصادي عامةً. والأشكال التنظيمية المقصودة هنا تشمل الجانب السياسي كما الجانب النقابي. ويمكن، على هذا الصعيد، متابعة بعض التجارب الجارية حالياً في بعض بلدان أميركا اللاتينية وبعض أشكال التحرك النقابي والسياسي الأكثر تقدماً في البلدان الرأسمالية المتطورة.
  • تعميم ممارسة الديمقراطية الشعبية في هذه الأطر، والعمل على مجابهة سعي القوى الرأسمالية المسيطرة لفرض تفتيت المجتمع وتنمية النزعات الفردية والإنكفائية عن الفعل السياسي والإجتماعي، وتشجيع المواطن للإندفاع في البحث عن الخلاص الشخصي في ظل فرض أجواء من المنافسة المتزايدة على فرص العمل، المتقلصة.
  • التركيز على مناهضة حلف شمال الأطلسي وكافة البنى العسكرية المرتبطة بالمشاريع الإمبريالية التوسعية الكونية والإقليمية، بما في ذلك الآلة العسكرية الإسرائيلية في منطقتنا، والتي يتم استخدامها كأداة ضاربة بيد هذه القوى، التي تسعى لإدامة هيمنتها وتكريس نظام من "الأبارتايد" الكوني بين "الشمال" الغني المتمتع بالرخاء النسبي و"الجنوب" الفقير والمستغلة موارده الطبيعية لصالح هذا "الشمال".
  • من مصلحة القوى الشعبية وقوى اليسار في البلدان الرأسمالية المتطورة، برؤية استراتيجية لمصالح شعوبها، أن تتسلح بموقف أممي متضامن مع "الجنوب" وشعوبه، وليس مدافعاً عن الإمتيازات قصيرة الأمد التي تتحقق لسكان "الشمال" من عملية الإستغلال المستمرة لـ"الجنوب". ومن هنا، أهمية التأكيد على أن مناهضة الإمبريالية عنوان رئيسي من برنامج اليسار في المرحلة الراهنة والمراحل القادمة، سواء أكان ذلك في بلدان "الشمال" المتطورة إقتصادياً، أو في بلدان "الجنوب"، بطبيعة الحال.
  • وفي هذه البلدان الأقل تطوراً، بلدان "الجنوب"، هناك أهمية كبرى للدفاع عن الموارد الطبيعية المتوفرة وتنمية الزراعة في الريف لتأمين أعلى درجة من الإكتفاء الذاتي أو من التكامل على صعيد إقليمي، في هذا المجال كما في مجالات التنمية الأخرى، كما تحاول أن تفعل بلدان أميركا اللاتينية الأكثر تقدماً في تجاربها على هذا الصعيد، من خلال مؤسسات إقليمية مشتركة مثل تحالف "ألبا"، "البديل البوليفاري للقارة الأميركية"، وبنك الجنوب "بنكوسور"، البديل المفترض للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي. وهذه القاعدة مفيدة، بالطبع، للمنطقة العربية، حتى لو كان ذلك على صعيد مناطق أو تجمعات إقليمية جزئية متقاربة.
  • العمل من أجل نظام عالمي أكثر عدالة قائم على تعددية القطبية وعلاقات دولية أكثر إنصافاً ونظام إقتصادي لا يتحول الى غطاء لمصلحة دولة أو مجموعة قليلة من الدول بشكل خاص، وهذا ما يشمل ضرورة العمل على توفير عملة دولية، أو سلة من العملات، مستقرة نسبياً لا يجري التلاعب في قيمتها من خلال زيادة الكمية المتوفرة في السوق دون غطاء فعلي، كما درجت الولايات المتحدة أن تفعل خلال العقود الأخيرة، خاصة منذ مطلع السبعينيات الماضية.

***

وعلى الصعيد الفلسطيني، لا شك أن التبعية الإقتصادية للدولة القائمة بالإحتلال، إسرائيل، التي هي جزء من النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي، تضع عوائق كثيرة أمام تطور المجتمع الفلسطيني وتنمية طاقاته، بما في ذلك في مجال الزراعة، الذي لا زال مجالاً مهماً في خارطة الإقتصاد الإنتاجي الفلسطيني، وما زال يتعرض لمنافسة غير متكافئة مع سلع الدولة القائمة بالإحتلال.

ومن مهمات اليسار الفلسطيني الرئيسية، بالتأكيد، الى جانب المشاركة الفاعلة في النضال التحرري الوطني بهدف إنهاء الإحتلال وتحقيق الإستقلال الوطني وإزالة الغبن اللاحق بالشعب الفلسطيني، بما في ذلك بملايين اللاجئين منه، داخل الأرض المحتلة وخارجها، من بين هذه المهمات الدفع باتجاه تنمية اقتصاد وطني مقاوم ومستقل، قدر الإمكان، يؤمن شيئاً فشيئاً فك الإرتباط مع الإقتصاد الإسرائيلي وينفتح على بلدان المحيط القريبة. كما من الضروري والحيوي لقوى اليسار الدفاع عن مصالح وحقوق الفئات الشعبية المتضررة من استمرار الإحتلال ومن غياب التنمية أو استمرار الإعتماد على التمويل الخارجي، وتنامي شرائح رأسمالية وبيروقراطية تابعة مستفيدة من علاقاتها مع رأس المال الخارجي، حتى ولو كان على حساب الإقتصاد المحلي وآفاق تنميته وصعوده.

ومهما كانت أهمية الوحدة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني، وهي بالتأكيد قضية مركزية في وضعنا الفلسطيني خاصةً، فإن اليسار في الحركة الوطنية ينبغي أن يحافظ على دور متميز في مجال الدفاع عن مصالح وحقوق الفئات المغبونة، من قطاعات الشغيلة والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة والعاطلين أو شبه العاطلين عن العمل.

وحتى ولو كانت الأزمة الإقتصادية العالمية بآثارها الفعلية غير ملموسة للمواطن العادي، الذي يعاني، على أية حال، منذ سنوات طويلة من تردي أوضاعه المعيشية والحياتية، فإن دور اليسار هو، بالتأكيد، تشخيص هذه الآثار، الى جوانب العوامل الأخرى الحاضرة قبلها، والتي من المفترض أن يكون هذا اليسار هو الطرف الأكثر اهتماماً بالتعاطي معها ومعالجتها، أو التنبيه ومحاولة التأثير على أصحاب الشأن والقرار لمعالجتها أو الحد من انعكاساتها السلبية على القطاعات الشعبية الفلسطينية الواسعة.

Arabic: The Political Program of the Tayyar

ورقة مقدمة من: تيسر الزبري

عضو اللجنة التحضيرية للتيار

الوطني الديمقراطي التقدمي

حزيران / 2009

الرفيقات والرفاق ضيوف المؤتمر ...

الرفيقات والرفاق المشاركين في المؤتمر ...

تتضمن هذه الورقة عرضاً سريعاً عن المنطلقات البرنامجية للتيار الوطني الديمقراطي التقدمي ، والاتجاهات الرئيسية في الوثائق البرنامجية التي سوف تناقش ويجري اقرارها في المؤتمر التأسيسي الاول الذي تجري الاستعدادات لانعقاده خلال الاسابيع القادمة .

لقد تحددت الملامح الرئيسية للبرنامج في الاعلان السياسي الصادر بتاريخ 19/7/2008 والمنبثق عن الاجتماع الموسع لاعضاء التيار في مدينة رام الله .

أكدت الوثيقة الصادرة عن اجتماع تموز في العام الماضي على أن الصراع الرئيسي الذي يواجه الشعب الفلسطيني بعموم قواه السياسية والاجتماعية هو مع الاحتلال الإسرائيلي ، كما أكدت تلك الوثيقة على أن النضال الفلسطيني يستهدف تحقيق وإنجاز حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبناء الدولة الفلسطينية وانجاز حق عودة اللاجئين للفلسطينيين والالتزام بوثيقة الاستقلال الفلسطيني الصادرة من العام 1988 .

وقد حددت الوثيقة المذكورة الوسائل والادوات في مجابهة الاحتلال الاسرائيلي بإعتماد " مقاومة السياسة العدوانية الصهيونية القائمة على احتلال الارض الفلسطينية والتنكر لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم التي هجروا منها والتمسك بالقرار 194 الصادر بهذا الشأن " وأكدت الوثيقة على " حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكافة الوسائل التي كفلتها المواثيق والقوانين الدولية وعلى تفعيل العمل الكفاحي الجماهيري واشراك الجماهير في اتخاذ القرارات وعلى ضرورة بلورة استراتيجية وطنية مقاومة للإحتلال .

أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني ، فقد أكدت وثيقة الاعلان على :

1- إن آليات عمل التيار تقوم على الالتزام بالخيار الديمقراطي اساساً لتداول السلطة والحرص على الوحدة الوطنية قاعدة للتصدي للإحتلال وللبناء المجتمعي الفلسطيني وعلى اشراك القواعد الشعبية في اتخاذ القرارات وعلى نشر قيم التضامن وانتهاج اسلوب المكاشفة والشفافية وعلى محاربة الفساد والمحسوبية والهيمنة والتفرد تحت أي ذريعة كانت .

2- رفض استخدام العنف في حسم الخلافات الداخلية والتي ابتدأت بحالة عامة من انفلات الأمن انتهت بحسم عسكري وانقسام جغرافي وسياسي بين شمال الوطن وجنوبه ؛ الأمر الذي أسهم في المزيد من تعقيد الوضع الفلسطيني وفتح الباب أمام سياسة عدوانية اسرائيلية أشد ضراوة تمثلت في عدوان كانون أول من العام الماضي والتي انتهت الى نتائج مأساوية مست القطاعات الواسعة من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وعززت من سياسة الانقسام الداخلي . إن الانقسام الداخلي الفلسطيني شكل خروجاً عن المنطلق الرئيسي الذي اعتمده التيار والقائم على أساس أن التحدي الاساس هو مع الاحتلال الاسرائيلي وليس بين التيارات السياسية الفلسطينية مهما تباينت الخلافات في الرؤى السياسية أو آليات العمل .

3- ضرورة احترام خصوصية الوضع الديمقراطي الفلسطيني والتي لا تقوم على أغلبية حاكمة وأقلية معارضة غير مشاركة بالقرار الوطني ؛ ذلك أن التحدي الوطني مع الاحتلال يملي بضرورة احترام التعددية السياسية وعلى اشراكها في القرار والحكم وفق سياسة جبهوية وتوافقية الى حدود واسعة .

4- النقطة السابقة تطلب تظهير الخطر من سياسة المحاصصة ( إضافة الى سياسة الهيمنة والتفرد ) وهي أي المحاصصة تختلف في الشكل وتلتقي مع جوهر سياسة التفرد وعزل الآخرين وهي الوجه الآخر للحكم الشمولي غير الديمقراطي ؛ الأمر الذي يتناقض مع منطلقات التيار في المفهوم الديمقراطي والتعددي .

5- الانحيازات الواسعة التي ابداها الشعب الفلسطيني في انتخابات المجلس التشريعي الثاني ( 2006 ) للتيارين الوطني الفتحاوي ، والاسلامي الحمساوي تتطلب توحيد القوى اليسارية والديمقراطية التقدمية في إطار سياسي موحد جبهوي أو إئتلافي وعلى برنامج وطني اصلاحي متميز .

- إن تردي الوضع السياسي الداخلي الفلسطيني لا يعفي قوى اليسار الفلسطيني من المسؤولية الوطنية ، ذلك إن استمرار حالة التبعثر والانحيازات غير المبدأئية على كافة المستويات السياسية والجماهيرية إنما يشكل خدمة لهيمنة التيارين أو أحدهما مما يهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته ويتناقض بالنتيجة مع ضرورات التوحد الوطني في مجابهة الاحتلال .

6- إن الالتزام في بناء جبهة يسار فلسطيني موحدة لا يغفل بالمطلق ضرورة الالتزام الجبهوي الوطني الواسع ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية بإعتبارها التعبير السياسي والمادي الموحد والجامع للنضال الفلسطيني من أجل العودة وتقرير المصير والاستقلال .

إن التمسك بالعمل في إطار م.ت.ف والعمل على إعادة الاعتبار لها بعد سنوات من الاهمال يتطلب الحرص على تجديد بناءها وتفعليها وتطويرها واشاعة الأجواء الديمقراطية في هياكلها من المجلس الوطني الى المركزي الى اللجنة التنفيذية وكافة مؤسساتها ودوائرها ولجانها والمدخل لذلك هو بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني بالانتخاب المباشر ووفق قانون انتخابي ديمقراطي يقوم على التمثيل النسبي الكامل في كافة تواجد الفلسطينيين وحيثما كان ممكنا اجراءالانتخابات المنشودة .

7- لقد شكلت وثيقة إعلان الاستقلال الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشر في الجزائر عام 1988 علامة سياسية وبرنامجية بارزة في العمل السياسي الفلسطيني حيث أكد الاعلان في أحد نصوصه على " أن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا ؛ فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية ، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق ، تصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الانسانية ، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الاحزاب ورعاية الأغلبية لحقوق الأقلية واحترام الاقلية قرارات الأغلبية ، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون وبين المرأة والرجل ، في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الاديان عبر القرون " .

8- التأكيد على أن آليات التغيير السياسي تقوم بالوسائل الديمقراطية ونبذ العنف في حل الصراعات الداخلية ، وعلى التمسك الدائم بالوحدة الوطنية الشاملة وبالتعددية بكل موكناتها الاجتماعية والسياسية وبما يتيح للقوى الاجتماعية اليسارية التقدمية من الحفاظ على أطرها المستقلة في إطار الجامع الوطني الاوسع ( م.ت.ف) ، وعلىالتمسك ببرنامج الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وفق القرارات الدولية ، وعلى التعامل مع هذا البرنامج بإعتباره وسيلة تكتيكية يمكن استبدالها بحلول عبثية من شأنها أن تعيد البرنامج الوطني الفلسطيني الى نقطة الصفر .

البرنامج في إطاره الاجتماعي :

لقد أعلن المؤسسون للتيار الوطني الديمقراطي التقدمي في بيانهم السياسي بتاريخ 19/7/2008 "بأن التيار ينحاز لقضايا العمال والفلاحين والفقراء والمقهورين وابناء الطبقات الوسطى من شعبنا " .

** ومن ذات المنطلق الفكري التقدمي فإن التيار يؤكد على دعم العمال الفلسطينيين وتشجيعهم على توحيد الحركة النقابية العمالية ، وضمان عقد مؤتمراتهم وإشاعة الحياة الديمقراطية بين صفوفهم .

** دعم نضال المرأة الفلسطينية من أجل حقها في العمل المتساوي والاجر المتساوي وحقها الكامل في التعليم والمشاركة السياسية ومحاربة كل اشكال التمييز ضدها .

** دعم قطاعات الشباب الفلسطيني والاتحادات الطلابية ومجالس طلبة الجامعات من أجل حقهم في التعليم شبه المجاني وتحديداً في المراحل المتوسطة والعليا ما بعد المرحلة الثانوية ؛ والعمل على تطوير أساليب التربية المدرسية ونظم الامتحانات .

** دعم قطاعات المهنيين الفلسطينيين من أطباء ومهندسين ومحامين ومعلمين وموظفين عموميين .. وغيرهم ، ودعم حقوقهم في بناء اتحادات نقابية مستقلة في أطر ديمقراطية ومن الدفاع عن حقوقهم في العمل والضمان الاجتماعي وتنمية دورهم السياسي والوطني العام .

** دعم قطاعات العمل الأهلي التطوعي ، وتطوير دور المنظمات الأهلية باتجاهات تنموية تستهدف القوى الاجتماعية المهمشة ، وحماية اشاعة الاساليب الديمقراطية في علاقاتها الداخلية وبناء نظم تقوم على الشفافية والنزاهة في هياكلها الادارية وعملها الداخلي .

** العمل من أجل سن قوانين ضمان اجتماعي وصحي شاملة للعمال والقطاع الخاص والاهلي وتطوير قوانين تقاعد موظفي الخدمة العامة . إن المدخل لانجاز استقرار مالي للعمال والعاطلين عن العمل يستند على قانون ضمان اجتماعي عادل وشامل ، وهو أحد ركائز الاستقرار السياسي والاجتماعي والنفسي للمواطن الفلسطيني .

** العمل من أجل بيئة صحية سليمة للمواطن بالعمل على توفير السكن المناسب والمياه الصالحة للشرب وعلى توفير بيئة مدرسية سليمة لطلبة المدارس وتحديداً في المدارس الحكومية وتطوير الخدمات الصحية في القطاع الرسمي .

** دعم قطاعات الانتاج الزراعي والصناعي والسياحي الفلسطيني من حيث توفير القروض المناسبة وإيجاد المؤسسات الائتمانية المناسبة لتلبية حاجات هذه القطاعات ، وتوفير الفرص الاستثمارية وسن التشريعات والقواني المساندة لدعم الانتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وبشكل خاص في الزراعة والصناعات الخفيفة ، والعمل على فتح الاسواق أمام الصادرات الفلسطينية والعمل على استصلاح الاراضي البور وتمليك المواطنين للأراضي الاميرية منعاً لاستهدافها من قبل الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنية .

في إطار العلاقات العربية والدولية

في الاعلان التأسيسي للتيار ( تموز 2008 ) جرى التأكيد على أن التيار الديمقراطي التقدمي الفلسطيني هو جزء من حركة التحرر العربي ومن الحركة العالمية المناهضة للإمبريالية والصهيونية والعنصرية " " إن التيار يناضل من أجل صياغة نظام عالمي جديد يقوم على احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى إقامة علاقات دولية متوازنة تضمن التنمية البشرية العادلة والمستدامة وترسي سياسات تقوم على التعاون المشترك بين الشعوب بما يخدم مصالحها الجماعية وتقوم على مفاهيم العدل واحترام حقوق الانسان .

إن انعقاد المؤتمر الدولي الاول مكرساً هذه الورشة من أجل الاستفادة من تجارب توحيد قوى اليسار على الصعيد العالمي يشكل مناسبة لتأكيد هذه الدعوة وتحويلها الى آليات عمل منتظمة وفاعلة في ظل موازين قوى اجتماعية ودولية ترجح نحو القوى الإجتماعية الجذرية في العالم ومنها الوطن العربي .

تجربة جبهة اليسار في قطاع غزة

ورقة مقدمه من: طلال عوكل

حزيران / 2009

وقت طويل مضى على حركة الجدل في المجتمع وبين أطراف اليسار والنخب، وتعددت المحاولات والتجارب، لتوحيد اليسار كضرورة تاريخية، وليس فقط استجابة لازمة وطنية تنشأ اليوم أو غدا.

وعلى الرغم من أن أزمة اليسار مدركة ومؤشراتها ملموسة وواضحة، إلا أن اليسار الفلسطيني لم يتقدم خطوة واحدة، نحو تحقيق هدف وحدته، بل وفي كل مرة، تنتهي فيها تجربة تجميعية أو وحدوية إلى الفشل، كانت تعقبها مراحل توتر، وانتقادات متبادلة، وتعميق للتعصب التنظيمي والسياسي.

وفي كل مرة، كانت تطرح مبادرات للتوحيد أو التنسيق، كانت الأطراف تناقش العناوين ذاتها، والقضايا ذاتها. إن كان بشكل جزئي أو شامل كما حصل في التجربة قبل الأخيرة وهي الراهنة، التي سبقت اغتيال أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى، الذي كان أبدى متابعة شخصية جادة لتحقيق إنجاز على مستوى توحيد اليسار.

أعتقد أن من المناسب جدا، أن تتشكل لجنة يتم اختيارها من عناصر يسارية تقوم بمراجعة تلك التجارب، لتعيين أسباب الفشل، وكيفية الاستفادة من تلك التجارب، بما أنها تشكل جزءا من تراث الحوار بين أطراف اليسار، من غير المفيد إقصاؤه، أو تجاهله، رغم أن تلك التجارب ارتبطت بظروف سياسية معينة وفي ظل معطيات معينة، أين منها المعطيات التي يتشكل منها الواقع الفلسطيني الراهن.

قد لا يتيح هذا المؤتمر الهام بما يتضمنه من أوراق، وآراء متنوعة وواسعة، قد لا يتيح المجال لهذه الورقة أن تتناول كافة العناوين التي تتصل بموضوع اليسار كرؤية من حيث النشأة، أسباب التراجع ومؤشراته، عوامل التعطيل وعوامل التفعيل، مؤشرات أزمة اليسار، وآفاق معالجتها، ولذلك سأكتفي بتناول بعض الجوانب الأكثر قربا من تجربة " جبهة اليسار " في قطاع غزة، والتي مر على تأسيسها ما يقرب من العام.

في الواقع، علينا أن نلاحظ، مستوى ثقل الأزمة الوطنية على سكان قطاع غزة، وعلى القوى السياسة بما في ذلك وأساسا قوى اليسار، فصائل، وشخصيات، وجمعيات ومنظمات مجتمع مدني، ذلك أن قطاع غزة كان مسرحا عمليا لحالة صراع واشتباك بكل الوسائل، بين الحركتين الكبيرتين المتصارعتين، والذي أدى إلى انقلاب وانقسام عميق، رافقه حصار شديد، وجملة من التداعيات السياسية والاجتماعية الخطيرة.

خلال مرحلة الفوضى والصراع، وأيضا في ظل مرحلة الانقسام، ونشوء "نظام سياسي" آخر في قطاع غزة، تصيغه وتهيمن عليه حركة حماس، وفي ضوء المعانيات شديدة الوطأة على مواطني قطاع غزة، كانت التساؤلات الموجهة لليسار موجعة ومحرجة إلى حد كبير.

إلى متى يبقى الفلسطينيون أسرى لظاهرة الاستقطاب والاحتكار السياسي والحزبي، وهل ثمة من يتقدم لأحداث قدر من التوازن بين القوتين الكبيرتين؟ من سيدافع عن مصالح وهموم الفئات السياسية والاجتماعية المطحونة، والتي تشكل وقودا لحالة الصراع والانقسام والاستقطاب، وهل فصائل اليسار قادرة في الأصل على الدفاع عن نفسها، وهي تدرك أنها تدفع جزءا من فاتورة الانقسام وسيادة العنف الداخلي، وتدرك أيضا إن استمرار حالة الانقسام، ستجعلها في وقت ما هدفا لمنطق الاحتكار والهيمنة، والتكفير، وعدم الاعتراف بالآخر.؟

أين مسئولية أطراف اليسار عن حماية المشروع الوطني الفلسطيني، وعن وحدة الشعب والقضية، وهل هذا اليسار سيكون قادرا على تبرير وجوده واستمراره بمعزل عن الشرعية التاريخية؟

لقد أظهر اليسار بكليته منفردا ومجتمعا، ضعفا وعجزا عن التأثير في الأحداث بما في ذلك ما يتصل بقضايا الحريات، والديمقراطية، والسلم الأهلي، وحقوق الإنسان، وحماية الحق في التظاهر، والتعبير عن الرأي، وحرية الاختيار وحقوق المرأة والشباب، ومعانيات الفقراء وجيوش العاطلين عن العمل، ناهيكم عن ضحايا الدمار الكبير الذي سببه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي واستمر نحو ثلاثة أسابيع.

بعد مرور عامين على الانقسام، يتأكد اليسار الفلسطيني من أن هذا الواقع ليس طارئا، أو أن أطرافه أو بعضها لا تعمل من أجل تجاوز هذا الوضع، ولا تتعامل معه على اعتبار أنه مؤقتا، وبأن الحوار لا يشكل سوى غطاء لمواصلة تعميق الانقسام والانفصال، وأنه أيضا وسيلة لكسب الوقت من أجل إضفاء أبعاد أكثر عمقا على مختلف المجالات الاجتماعية، الثقافية، القيمية، الاقتصادية، والحقوقية والسياسية، على الوضع القائم، بما يجعلنا أمام نظامين سياسيين، وأمام تجربتين ومشروعين مختلفين.

إن توقيت الحوار بين أطراف اليسار الثلاث، الجبهة الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب، يوضح الدوافع الكامنة وراء تشكيل جبهة اليسار وبما يشير إلى تغليب العامل ألظرفي على التاريخي أكثر مما يشير إلى ارتقاء مستوى الوعي وامتلاك الإرادة الكافية لتجاوز أزمة اليسار، كاستجابة تاريخية لتطور الوضع الفلسطيني.

أفكار متعددة طرحت أمام قيادات الفصائل الثلاث، من التنسيق إلى الوحدة الاندماجية، وما بينهما من صيغ، انتهت إلى صيغة تشكيل جبهة بين القوى الثلاث تقتصر على التنسيق في المواقف، ذلك أنها لم تستند إلى برنامج وآليات محددة، رغم أن الأطراف تعتبرها خطوة على طريق وحدة تتم بالتدريج.

وفي الواقع فقد لاحظنا تباينا واضحا في تحديد هوية اليسار وبالتالي تباين بشأن من هو اليسار، فالبعض يحدد اليسار على أساس الهوية الإيديولوجية، والبعض الآخر يحددها على أساس نسبي.

فاليسار بالنسبة لأصحاب الهوية الإيديولوجية هو القوى التي تتبنى بشكل واضح الماركسية أو المنهج الجدلي، فتكون فقط ، الجبهتين والحزب، أما بالنسبة لأصحاب الموقف الآخر، فإن اليسار هو تيار فكري سياسي يتميز بتبنيه قضايا العدالة الاجتماعية، والتعددية والعلمانية بمفهومها الأصيل، ومناهضة كل أشكال التمييز، ويناضل من أجل التنوير والحداثة، وتعظيم حقوق الإنسان، وبناء لذلك يتكون اليسار من طيف واسع بشمل بالإضافة إلى القوى الثلاث جبهة النضال، وحزب فدا، وربما المبادرة الوطنية بالإضافة إلى شخصيات يسارية مستقلة.

وبغض النظر عن التبريرات التي تجمع بين المفهومين عبر آلية التدرج أو حاجة التيار لقطب أو عمود فقري يتشكل من القوى الثلاث أساسا وابتداء، إلا أن الواقع يشير إلى عمق هذا التباين.

ففي غزة، تشكلت " جبهة اليسار "، أما في الضفة، فالحديث يدور وهناك مشاريع تعمل على أساس المفهوم النسبي وليس الإيديولوجي الحصري، أما خارج الوطن، فبالرغم من الميل الواضح للعمل وفق إطار جبهة اليسار، إلا أن أية صيغة لم تنشأ حتى الآن بالرغم من أن الاستقطاب السياسي الواقع داخل الوطن قد امتد إلى خارجه، وأيضا بالرغم من أن تشكيل جبهة اليسار جاء بقرارات قيادية نجمت عن الحوار.

هنا يمكن تسجيل الملاحظات التالية على تجربة جبهة اليسار:

- أولا: على الرغم من مرور أكثر من عام على تشكيل الجبهة إلا أنها تفتقد إلى الحد الأدنى من خصائص الجبهة كإطار إذ لا برنامج لها ولا خطة، ولا اجتماعات منتظمة، ولا لائحة داخلية أو آليات للعمل متفق عليها. إذا هي بهذا المعنى لا تزيد عن كونها إطارا للتنسيق بغرض تبادل الرأي، وإصدار بعض البيانات حين يتوفر التوافق حول قضية معينة، وللقيام ببعض النشاطات الموسمية، التي يفتقر أداؤها إلى الإخلاص للعمل الجماعي، أو لصالح تكريس حضور الجبهة في ميدان العمل السياسي والجماهيري على حساب أطرافها منفردة.

- ثانيا: تعاني الجبهة من مرض مزمن يتصل بالتعصب التنظيمي، فالأولوية لصالح التنظيم، وعلى هذا الأساس، تخاض المعارك النقابية، والتحالفات ويصبح معيار فوز هذا الطرف أو ذاك قياسا بما يحققه على طرف آخر من أطراف الجبهة وليس بما تحققه الجبهة كإطار عمل جماعي، أو بما تحققه الأطراف الأخرى.

لقد ظهرت خلال الانتخابات التي وقعت أو التي كان مقدرا أن تقع ظهرت أمراض الماضي بكل تفاصيلها، وكذلك ظهرت تداعياتها على الكوادر والقواعد الحزبية بما يشير إلى تمكن العصبوية التنظيمية، وتغليب الانتماء للحزب على الانتماء للجبهة.

- ثالثا: لم تتشكل الجبهة من تسعة أعضاء، بواقع ثلاثة من كل فصيل، وهي حتى الآن لم تبادر لتشكيل لجان مشتركة تنبثق عنها، ولم تتقدم خطوة واحدة باتجاه توحيد أطرها الجماهيرية باستثناء محاولات جارية على مستوى بعض النقابات العمالية.

يعود بنا هذا التشكيل إلى قضية قديمة تتصل بعدم اعتراف أطراف جبهة اليسار بتميز أي طرف منها عن الأطراف الأخرى بما يجعله أقرب إلى العمود الفقري للجبهة. غياب هذا الاعتراف، جعل الأطراف الثلاثة المكونة للجبهة تتفق كاملة على أنها مجتمعة تشكل أساس وحدة اليسار ورافعته.

غياب أو تغيب القوة الرئيسية الجاذبة المعترف بها ولها بأحقية القيادة يجعل أي إطار قديما كان أم جديدا محكوم للعوامل ذاتها التي تمنع جبهة اليسار من التطور، وكانت واحدا من أسباب فشل التجارب السابقة.

- رابعا: لم تتقدم جبهة اليسار بالنقاش لمحاولة تقريب وجهات النظر والمواقف إزاء بعض أهم قضايا الخلاف ذات الطابع السياسي. ثمة خلاف حول الأهداف البعيدة والقريبة فمثلا تصر الجبهة الشعبية على أن برنامج الدولة وتقرير المصير والعودة، يمثل البرنامج المرحلي، وبأنها تتمسك باستراتيجيه تحرير كل أرض فلسطين التاريخية.

نقطة خلاف أخرى تتصل بأشكال النضال، إذ يعلو شكل الكفاح المسلح لدى الشعبية، ونسبيا لدى الديمقراطية بينما لحزب الشعب تاريخيا موقفا مختلفا إزاء هذه القضية.

خلاف آخر يتصل بالموقف من اتفاقية ومنهج أوسلو، وتجسيداته وأهمها العلاقة بالسلطة الفلسطينية، فالشعبية ترفض المشاركة في أية حكومة تنشأ على أساس أوسلو، بينما الأطراف الأخرى، لا تمانع في المشاركة، الأمر الذي يترك آثارا سلبية على العلاقة بين أطراف الجبهة.

- خامسا: ضعف الإمكانيات المادية، والمالية منها على وجه الخصوص، يجعل هذه الأطراف مجتمعة ومنفردة، أعجز من أن تنهض ببعض متطلبات العمل والنشاط، أو الاستجابة لبعض المتطلبات الاجتماعية، وتداعيات حالة الصراع مع الاحتلال أو في الداخل الفلسطيني.

في الواقع فإن الصيغة الموجودة، بما هي عليه، وكما عرضناها تعكس أزمة كل طرف من أطراف اليسار، وإن هي لا مجرد تجميع عشوائي لمجموع ، وقوى مأزومة و ضعيفة، لم تتمكن حتى الآن، وبالرغم من عمق حالة الاستقطاب ومخاطرها، لم تتمكن من أن استثمار هذا الظرف الذي يهيئ لها كل أسباب تطوير وتوسيع جماهيريتها، وزيادة فعاليتها وتأثيرها.

- سادسا: على الرغم من وضوح الرؤيا لدى أطراف الجبهة إزاء الأولويات التي تتصل بالوضع الداخلي، إلا أنها عجزت عن القيام بنشاطات واسعة تعبيرا عن الرفض الشعبي للانقسام، وتداعياته، وهي لم تخض معركة واحدة ناجحة دفاعا عن حقوق الناس، أو للتقليل من مخاطر التدهور الحاصل على مستوى الصراع الداخلي. وباستثناء مظاهره كبيرة، كان يمكن أن تكون أكثر تحشيدا، بمناسبة الأول من أيار هذا العام، فإن الجبهة لم تنجح في تنظيم حملات شعبية تحتاجها وتتطلبها ظروف وتداعيات الصراع الخارجي مع الاحتلال والداخلي.

- سابعا: لم تترك الجبهة أية بصمات ذات قيمة وملموسية لا على صعيد الجبهة الداخلية ولا على الصعيد الخارجي، إذ أنها لم تبذل حتى أي جهد من أجل إعادة وصل علاقاتها وتحالفاتها مع قوى اليسار على الصعيد العربي.

هكذا نلاحظ بأن جبهة اليسار التي تشكلت في قطاع غزة وما تزال موجودة، لا تشكل الحد الأدنى المطلوب مما يجعل الحديث عن التدرجية لتحقيق هدف الوحدة مجرد هراء لا يتجاوز حدود الهروب من أسئلة الواقع، ولتبرير القصور الناجم عن عجز العوامل الذاتية التي لم يحدث عليها أي تغيير يساعد في اقتحام بوابات الأزمة والحل.

إن هذه التجربة لا تصلح حتى للقراءة والتحليل، ذلك أن قيامها لم يضف جديدا يذكر، إلا للاستنتاج بأنها تعبير عن اتساع الهوة بين الواقع والأهداف.

لمعالجة أزمة اليسار وتحقيق وحدته، نحتاج إلى جرأة عالية في تناول الأسباب الذاتية، ونحتاج إلى قرارات موجعة تذهب إلى التغيير وليس إلى تبرير الواقع أو ترقيعه فليس هناك ورثة أو قيميين حصريين على الإيديولوجية والفكر، تماما كما ليس هناك ورثة حصريين للوعي والقيادة.

الخلاصة:

صحيح أن أزمة اليسار تعود إلى أسباب موضوعية وذاتية، غير أن العامل الذاتي هو المقرر والحاسم في الخروج من هذه الأزمة نحو توحيد اليسار والنهوض بأوضاعه. يتطلب ذلك حوارا معمقا يتسع ليشمل قوى أخرى أوسع من الفصائل الثلاث، لتحديد هوية اليسار، ويعالج الخلافات والتباينات السياسية بين أطرافه، ويضع برنامجا زمنيا، بآليات واضحة ومحددة، تذهب باتجاه توحيد قوى اليسار، واختيار قيادات شابه، لا تحمل أعباء التجارب السابقة، إن اليسار معنى بتحديد شرعيته بما يتجاوز الشرعية التاريخية إلى الشرعية الواقعية، الشعبية والسياسية، التي تؤهله للعب دور فاعل ومقرر في اتجاهات تطور الوضع الفلسطيني ومصير خياراته وأهدافه ومشروعه الوطني التحرري والديمقراطي.

ينبغي أن تكون المرحلة الطويلة السابقة، قد ولدت لدى قيادات الفصائل اليسارية قناعات راسخة على أن مستقبل اليسار مرهون بوحدته، وأنه يتحمل مسئولية تاريخية إزاء ما يواجه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من أزمات ومخاطر وتحديات خصوصا بعد الفشل الذريع الذي يصيب برامج الفصائل الكبيرة التي تتحكم حتى الآن في مصير الشعب والقضية ومن غير المتوقع أن يتغير هذا الحال إلا بتغيير كبير وجذري في واقع اليسار الفلسطيني.

إن تجربة جبهة اليسار في قطاع غزة لا تقوى حتى على رفع العتب عن عجز أطرافها، وهي ليست أكثر من إضافة كمية لتجارب سابقة أكثر منها جدية رغم فشلها.

توصيات :

- أولا: لابد من معاودة البحث على مستوى الفصائل الثلاث باتجاه تحديد هوية اليسار باتجاه الفهم المرن والواسع، بما يسمح بتطوير جبهة تشمل الفصائل الأخرى والشخصيات اليسارية المستعدة للانخراط في هذه الجبهة.

- ثانيا: يبادر أي فصيل متوفر لديه القناعة بالوحدة الاندماجية بتقديم أوراق تتضمن اقتراحات محددة في هذا الشأن تعرض على من يشارك هذه القناعة من الفصائل الأخرى، الأمر الذي سيشكل في حالة نجاحه محور الرحى لجبهة اليسار التي تصبح في هذه الحالة أقرب إلى تيار منظم أو حركة واسعة تسمح للأقلية بالتعبير عن رأيها، ولكنها تلتزم بالعمل وفق رأي الأغلبية.

- ثالثا: بعد الاتفاق على الاتجاه العام للأطر المطلوبة (وحدية وجبهوية)، يتم توحيد الأطر الجماهيرية قطاعيا ( عمال، مرآة، محامون، أطباء، طلاب، شبيبة...إلخ)، وتقوم هذه بوضع خطط وبرامج العمل اللازمة لتعزيز وتوسيع العمل الجماعي والمشترك.

- رابعا: يتم العمل والتحضير لخوض الانتخابات النقابية، والانتخابات المحلية، والعامة التشريعية والرئاسية، بقوائم مشتركة تحت أسم الإطار الذي يتم الاتفاق عليه وهذا يتطلب صيغة إبداعية للانتخابات الداخلية من أجل اختيار المرشحين بما نعنيه الكفاءة وفرص الفوز وبدون تجاهل فوارق الحجوم بين الكتل المشاركة في الإطار الجبهوي.

- خامسا: يستدعي ذلك تشكيل لجنة متابعة عن هذا المؤتمر لخوض الحوار مع الفصائل والشخصيات المعنية، تنتهي صلاحياتها بانتهاء مهمتها في تشكيل الإطار.

- سادسا: ربما يكون مناسبا اختيار وتشكيل لجنة حكماء، للتدخل والمساعدة وتقليص التعارضات، والمشكلات التي تنشأ خلال مسيرة الإطار الجبهوي.